يقول الهجويرى: ( ونحن في هذا الصدد على طرفى نقيض مع أصحاب المذاهب الثنوية الذين يقولون بالنور والظلام ، ومع المجوس الذين يعتقدون ببزدان وأهريمن ، ومع الفلاسفة الطبيعيين الذين يقولون بالطبع والقوة ، والفلكيين الذين يصدقون بالأفلاك السبعة والمعتزلة الذين يقولون بتعدد الخالقية والصانع بدون حد ) (2) .
وقد نبه سهل بن عبد الله إلى أن ذلك لا يعنى القول بالجبر ، لأن قوما ممن ضلوا في هذا الباب زعموا أنهم يغرقون في بحار التوحيد ، ولا يثبتون لنفوسهم حركة وفعلا ويسقطون ذلك ظنا منهم أنهم يفردون الله بالفاعلية فيزعمون أنهم مجبورون على الأشياء وأنه لا فعل لهم مع فعل الله ويسترسلون في المعاصى وكل ما تدعوا النفوس إليه من ترك الحدود والأحكام والحلال والحرم .
ــــــــــــــــــــــــ
1-كشف المحجوب ص333 .
2-السابق ص 333 ، 334 .
*** المبحث الرابع ***
الحكمة من خلق الأواسط والأسباب
إذا كان أوائل الصوفية قد أفردوا الله بخلق أفعال العباد وأثبتوا دور الإنسان في كسب أفعاله الخلقية وأكدوا أن الأسباب لا تستقل عن الفاعلية الإلهية بأى أثر يذكر ، فكيف وعلى أى وجه تنسب النتائج إلى الأسباب ؟ وكيف تكون الأسباب بذلك حقا وأثرها صدقا وهى ليست فاعلة أو مؤثرة بذاتها مما يجعلها أقرب إلى الوهم ؟ في حين أن المكى يقول: ( في الأشياء أواسط حق وأسباب وصدق ) ؟!
وفى الحقيقة قوله هذا يدل على إثباته لحقيقة الأسباب ونفى وهميتها وبطلانها وجوديا ، إذ أنه استطرد بعد ذلك مبينا موقع هذه الحقيقة من قدرة الله المطلقة فيقول: ( لما كانت الأشياء بعد أن لم تكن ولا تكون بعد أن كانت ، أشبهت الباطل الذى لا حقيقة له أولية ، ولا ثبات له آخرية ، وكان الله تعالى الأول الأزلى الآخر الأبدى فهو الحق ولا هكذا سواه ) (1) .