وعلى هذه النظرة العميقة ، فإن الأغيار والأسباب إنما هى حق بالنظر إلى القدر الإلهى ، وباعتبار مشيئة الله تعالى في وجودها وبقائها وتأثيرها ، وبهذا النحو الذى فسر به المكى علاقة الأسباب أو الأغيار بالله عز وجل من حيث الوجود فسر به أيضا علاقة فاعلية الأسباب والأواسط بفاعلية الله عز وجل وربوبيته فيقول:
( ومثله الأسباب أيضا في ثوانيها وأواسطها إلى جنب الأول المسبب مثل ما يقول في القرآن قال الله كذا ، ولك أنه تقول: قال نوح وقال يوسف كذا فكل صواب ) (2) .
فالأسباب فاعليتها إذا بالقياس إلى فاعلية الله باطلة ولا حقيقة لفعلها في ذاتها وإن كانت لها فاعلية واقعة بإذن الله وخلقه لها .
فالسبب والنتيجة مخلوقان له واقعان بفاعليته ، ومن ثم تكون فاعلية السبب ليست حقيقية وليست مجازية ، بل ليست فاعلية على الإطلاق لأنه في كل مرة يقع منه أثره يكون هذا الأثر بخلق الله وإرادته وقدرته كشأنهم في إضافة الاستطاعة للإنسان يخلقها الله عز وجل في السبب
ــــــــــــــــــــــــ
1-السابق حـ2 ص 14 .
2-السابق حـ2 ص 14 .
مرة بمرة وفعلا بفعل ، فلا يكون السبب فيها فاعلا في الحقيقة ، أو مستقلا بفاعليته برؤية وحتمية بينة كعلة وبين الفعل التابع له كمعلول بل هو مؤثر ليس بالنظر لذاته ولكن بالنظر إلى خالقه وخالق معلوله على السواء .
ويستدل المكى على ذلك فيقول: ( وقال في إثبات الأسباب ورفع حقائقها: { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } (1) .
فنسب الرمى لله عز وجل وليس لرسوله حين رمى ، وقال تعالى في ذكر الأواسط: { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها } (2) .