الصفحة 197 من 295

يقول المقدسى: ( إن الإنسان إذا انكشف عن بصيرته أن لا فاعل سوى الله ، فإنه لا ينظر إلى غيره ، فلا يعتمد على المطر في خروج الزرع ، ولا على الغيم في نزول المطر ، ولا على الريح في سير السفينة ، فإن الاعتماد على ذلك جهل بحقائق الأمور ) (1) .

ويمثل المكى العلاقة بين فاعلية الأسباب وفاعلية الله بقوله:

( ومثل الأواسط مثل الآلة بيد الصانع ألا ترى أنه لا يقال الشفرة حذت النعل ولا الصوت ضرب العبد ) وذلك لافتقار الشفرة والصوت إلى المشيئة والعلم والاختيار ، مما ينفى كونها فاعلة .

ومن ثم يقول المكى: ( إنما يقال الحذاء حذ النعل وفلان ضرب عبده بالسوط وإن كانت هذه الأواسط مباشرة للأفعال إلا أنها آلة بيد صانعها ) (2) .

ــــــــــــــــــــــــ

1-مختصر منهاج القاصدين ص 346 ، 347 .

2-قوت القلوب حـ 2 ص 13 .

وإذا كان الأمر كذلك فإن الخليقة يباشرون الأسباب في ظاهر العيان والله من ورائهم محيط وهو القادر الفاعل بلطائف القدرة وخفايا المشيئة .

أما بالنسبة للأسباب الغيبية أى الملائكة ، فإن العلاقة بين فاعليتهم والفاعلية الإلهية هى نفس العلاقة بين العلل الطبيعية وفاعلية الله عز وجل ، ذلك أن الملائكة: { لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } (1) .

وهم وإن كانوا يعملون في حدود ما أوكل الله إليهم أعمالا ، إلا أنهم ليسوا أصحاب إرادة واختيار كالإنسان بحيث لا يحدث منهم ما هو مخالف للأمر بعبودية الله عز وجل ، ومن ثم تصبح أفعالهم تنفيذا وإمضاءا لأمر الله عز وجل وقدرته ومشيئته .

فيكون الفعل لله عز وجل على الحقيقة ، والملائكة ليسوا سوى ححاب أو ستار ثان للربوبية عن الناس ، وذلك باعتبار أن العلل الطبيعية ستار أولى ، ويدلل المكى على ذلك أيضا بالكثير من الأمثلة الواردة في كتاب الله عز وجل مثل قوله تعالى: { قل يتوفاكم ملك الموت الذى وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون } (2) .

ــــــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت