الصفحة 220 من 295

ومن ثم فالمعرفة الدينية ليس للعقل البشرى من دور حيالها سوى التلقى والفهم ، وهذه المعرفة ضرورية لاستكمال معنى الحرية عند أوائل الصوفية ، ذلك لأن السلوك الخلقى يتم بمقومين أساسين هما الاختيار والاستطاعة ، فالاختيار كما سبق هو تحرك إرادة العبد وعقد النية وتحديد القصد لفعل من ضدين أحدهما حسن والآخر قبيح ، ومن ثم فيلزم لصحة الاختيار وتمام شروطه في الإنسان أن تكون المعرفة بالحسن والقبيح أو الخير والشر مصاحبة لهذا الاختيار وهادية له تبيينا وتوضيحا وترشيدا ، وبذلك تكون المعرفة التى يتلقى العقل من الوحى موضوعاتها ، ويعرف منها الحلال والحرام هى دليل الاختيار البشرى وهذا ما يؤكده عبد الله بن خفيف بقوله:

( ينبغى أن يعتقد العبد أن النبوة والرسالة حق ، وأنها الحجة على الخلق من جن وإنس ، وحجة ناصعة ، قاطعة للعذر ، أى لم يبق لشخص قط عذر كأن يقول: لم أعلم كذا ، أو لم يبلغنى ــــــــــــــــــــــــ

1-ماهية العقل للحارث المحاسبى ص 108 .

ذلك أن الأنبياء قد أتوا وبينوا جميعا بين الخلق أحوال الدنيا والآخرة من الخير والشر ، وما ينبغى فعله وما لا ينبغى ، وما ينبغى قوله وما لا ينبغى ، وما ينبغى التفكير فيه وما لا ينبغى ) (1) .

فالله سبحانه وتعالى جعل العلم من مقومات الحرية في اختيار فعل على آخر أو منهج على آخر حتى يتحقق العدل الإلهى إذا عذب الكافر ويظهر الفضل إذا أنعم على المؤمن .

قال تعالى: { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوى ومن اهتدى } (2) .

فالدين بكليته سواء العقائد النظرية أو الشعائر التعبدية أو التنظيمات الاجتماعية والأسرية كل ذلك يدخل تحت منهج العبودية والمعرفة الدينية التى هى هادية للاختيار البشرى ، ولا مجال للعقل فيها ، بل الشرع هو القائد الموجه للعقل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت