وفى هذه العبارة الصغيرة تفويض كامل من الله ورسوله أن يعتمد اعتمادا كليا على ما أوتى من أجهزة الإدراك والعلم البشرى في البحث والتنقيب في كل ما على الأرض والعمل في سبيل العلم بحرية تامة بعيدا عن منهج العبودية أو تحريمات الدين وتعليماته .
ويمكن القول بناء على التوافق الصوفى النبوى أن المجالين الموضوعين لعمل العقل وتحصيل المعرفة ينحصران في نوعين من العلوم:
1-علوم مؤثرة في قوة الأفعال وزيادة الوسع والاستطاعة .
2-علوم مؤثرة في توجيه الأفعال بالإرادة والاختيار .
وكلا النوعين إن لم تكن الغاية منهما عبودية الله ومعرفته فلا قيمة لهما عند أوائل الصوفية لأنهم من أزهد الناس في الدنيا وما يتبعها من علوم مادية .
وهم أيضا من أبعد الناس عن تحكيم غير منهج الله وشرعه في أنفسهم .
فحقا وصدقا أن العاقل من صحح اعتقاده حتى لا يخجل حينما يلقى الله تعالى ، ويخلص نيته ويصفيها حتى يشرع في أعماله وأفعاله طاهرا كما ينبغى أن يكون ، ويشتغل بالأعمال الحسنة ويمضى أيامه في الطاعة حتى يكون ذلك عونا له وذخرا في الغد حين تقوم الساعة .
وينبغى أن يعلم العبد أن الله تعالى لم يخلقه عبثا ، ولن يتركه سدى فما دام كذلك ينبغى عليه أن يجتهد ويكافح في تثبيت دينه وأحكامه وتصفية اعتقاده وأعماله وأفعاله وتصحيح عبادته حتى تتم له العبودية (1) .
ويذكر المحاسبى أن العاقل هو من عقل أى رب يعبد ، وأى ثواب يطلب ، ومن أى عقاب وعذاب يهرب وأى نعيم يشكر ، والشكر أيضا ممن هو ، ومن منَّ به فإذا عقل ذلك كله عن ربه استقل واستصغر جميع دؤوبه واجتهاده لعظيم ما عقل من جميع ذلك (2) .
فمعرفة الصانع ضرورة ، لا يستطيع المؤمن أن يعرف الصانع الخالق ــــــــــــــــــــــــ
1-سيرة الشيخ الكبير عبد الله بن خفيف ص 431 ، 432 بتصرف .
2-ماهية العقل للحارث المحاسبى ص 221 ، 229 بتصرف .
دون أن ينتبه ويعمل العقل والفكر بالتدبير والتفكير (1) .