انفرد أوائل الصوفية عن غيرهم باصطلاح خاص للحرية ومدلول معين للكلمة يختلف تماما عن اصطلاح المتكلمين ، فالمتكلمون تناولوا في بحثهم مدى حرية الإرادة الإنسانية وموقعها من المشيئة والإرادة الإلهية ثم الاستطاعة الحادثة وعلاقتها بالقدر الإلهى ، وهذا المصطلح الصوفى وإن كان يحمل في طياته تكامل المذهب الصوفى في فهم القدر وعلاقته بالحرية إلا أنه أضاف معنى جديدا للفكر الإسلامى ، فقد ربطوا الحرية بالعبادة بحيث تصبح العبادة هى الوجه الآخر للحرية ، أو بمعنى آخر تصبح الحرية والعبادة وجهين لحقيقة واحدة .
وهذا الاصطلاح مع كونه من حيث الفكرة يعد سبقا فكريا وإضافة جديدة للتراث الإسلامى ، فإن النصوص الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تؤيده ولا تعارضه ، بشرط أن يكون منهج العبودية معبرا عن المنهج الإسلامى الخالص ، كما يمكن القول إن هذا الاصطلاح الصوفى لأوائل الصوفية يصلح أن يقدم كمفهوم عصرى لدعاة الحرية والمتشدقين بها .
فالحرية عند الأوائل تضع الإنسان في موضعه الصحيح الذى يحقق به الغاية من خلقه ويصل من خلاله إلى مرضاة ربه وذلك يكون بتحقيق العبودية لله كما قال سبحانه وتعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } (1) .
يقول أحمد بن خضرويه (2) : ( في الحرية تمام العبودية وفى تحقيق العبودية تمام الحرية ) (3) .
وهذا الاصطلاح الصوفى يؤثر في موضوع البحث من وجهين:
[1] - الوجه الأول: تكامل المذهب الصوفى في فهم الحرية ومقوماتها .
[2] - الوجه الثانى: إبراز الحرية كسلوك علمى ودستور صوفى يمكن أن ينفذ في أرض الواقع .
* أما عن الوجه الأول فاصطلاح الحرية بمعنى العبودية يحمل في طياته كل المقومات اللازمة لتحقيق الحرية الإنسانية ، إذ الحرية في هذا الاصطلاح ليست مسألة نظرية محل دراستها في الأذهان ، ولكنها ــــــــــــــــــــــــ
1-الذاريات / 56 .