وفى سبيل أن يوضح القشيرى موقف المشايخ من تدرج هذا التضاؤل شيئا فشيئا عرض لنا نماذج من الأحوال التى تتآلف كأحوال الحب من أزواج تبدأ من الفناء وتنتهى عند التحقق .
[1] - أولها: الفناء والبقاء:
ويمكن القول أن أوائل الصوفية يميزون بين نوعين من الفناء:
1-أحدهما يمكن اكتسابه بالمران المنظم والتدريب الروحى ويكون ذلك بالجهد المستمر في المقامات (2) .
ــــــــــــــــــــــــ
1-السابق حـ 1 ص 219 .
2-السابق حـ 1 ص 218 .
2-والثانى لا ينال بمران بل يطرأ على القلب ويأتى قاهرا جبارا يفقد الإنسان إحساسه بالعالم من حوله (1) .
* فالأول: فناء في امتثال الأمر التشريعى الذى يعرف به المحمود والمذموم من الأفعال يقول فيه القشيرى:
( أشار القوم بالفناء إلى سقوط الأوصاف المذمومة وأشاروا بالبقاء إلى قيام الأوصاف المحمودة ) (2) .
ومعلوم أنه إذا لم يكن أحد القسمين كان القسم الآخر لا محالة وهذا يتوقف أساسا على دور الإرادة نحو أى منهما ، فالوجود الذاتى للإنسان كائن من خلال اختياره الحر للتصرف المحمود في أفعاله وبقائه دائما على الصفات الحميدة .
فمن ترك مذموم أفعاله بلسان الشريعة يقال:
( إنه فنى عن شهواته ، فإذا فنى عن شهواته بقى بنيته وإخلاصه في عبوديته ومن زهد في دنياه بقلبه فنى عن رغبته ، ومن فنى عن رغبته فيها بقى بصدق إنابته فيكون بذلك فانيا بأفعاله ، ومن عالج أخلاقه فنفى عن قلبه الحسد والحقد والبخل والشح والكبر والعجب
ــــــــــــــــــــــ
1-التعريفات للجرجانى ص 185 .
2-الرسالة حـ 1 ص 229 .
وأمثال هذا من رعونات النفس فإنه بذلك يكون فانيا بأخلاقه ) (1) .