الصفحة 272 من 295

* أما الثانى: فهو فناء في الأحوال ، وفلسفته أن من شاهد الربوبية في جربان القدر وتصاريف الأحكام فنى عن أى حسبان ، فإذا فنى عن توهم الآثار من الأغيار بقى بصفات الحق ، فلا يشهد من الأغيار عينا ولا أثرا ولا رسما ولا طللا لانعدام أثرها عليه وعند ذلك يقال في عرفهم: ( إنه فنى عن الخلق وبقى بالحق ) (2) .

وهذا الفناء لا يعتبر مسلكا سلبيا أو انمحاء مطلقا للذات الإنسانية فالصوفى لا يصل إلى النوع الثانى إلا إذا اجتاز النوع الأول من خلال المقامات السابقة ومن ثم نبه القشيرى إلى أن الفناء الصوفى لا يؤدى إلى الحلول أو إلى الاتحاد بالذات الإلهية ، فإذا قيل: فنى عن نفسه وعن الخلق فنفسه موجودة والخلق موجودون ولكنه لا علم له بهم ولا به ولا إحساس ولا خبر فتكون نفسه موجودة والخلق موجودين ولكنه غافل عن نفسه وعن الخلق أجمعين (3) .

ــــــــــــــــــــــــ

1-الرسالة ص 229 بتصرف .

2-السابق ص 229 بتصرف ، وانظر التعرف ص 152 ، 152 .

3-السابق حـ 1 ص 330 بتصرف .

وهذا وإن كان يحدث للبعض إذا دخل على سلطان من أهل الدنيا فيصيبه الذهول وتهيمن عليه الدهشة حتى يغفل عن مجلسه وهيئته ، وإذا سئل بعد خروجه عن شئ كان في موقفه لما تمكن من الجواب ، فإذا كان هذا تغافل مخلوق عن أحواله عند لقاء مخلوق ، فما الظن لو أنه فنى عن كل شئ فجأة إذا كاشفه شهود الحق حال الذكر والطاعة (1) .

ويرى سهل بن عبدالله التسترى أن الفناء نوع من الاتصال الدائم بالله لإحساس العبد بمعية الله في كل وقت أخذا من قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ( أن تعبد الله كأنك تراه ) (2) .

فالأقوال والأفعال يحددهما الشعور المتصل بمراقبة الله في كل آن ــــــــــــــــــــــــ

1-السابق حـ 1ص 330 بتصرف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت