الصفحة 274 من 295

فعند التسترى أن من اقتدى بالنبى صلى الله عليه وسلم لم يكن في قلبه اختيار لشئ من الأشياء سوى ما أحب الله ورسوله (2) .

وإذا كان الفناء عند التسترى مرتبطا بالمحبة وأثره قائم عليها ، يظهر ذلك من أفعال المحب ، وأثر المحبة على الجوارح في اتباع أوامر المحبوب واجتناب نواهيه بحيث تتحد رغبة المحب مع رغبة المحبوب ، فإن الفناء عند الجنيد يأخذ طريقا آخر حيث يرتبط الفناء بالتوحيد بصورة تتسق في النهاية مع مفهوم التسترى .

فالفناء الذى دعا إليه لا علاقة له بفناء الحلول والاتحاد ، وإنما يحتفظ بالصحو ويرفض الشطح ويؤثر البقاء (3) .

وذلك لأنه دعا في التوحيد إلى تطابق الإرادات ، إردة العبد وفنائه

ــــــــــــــــــــــــ

1-حلية الأولياء حـ 10 ص 190 مرآة الجنان حـ 2 ص 148 .

2-من قضايا التصوف في ضوء الكتاب والسنة ص 19 .

3-الرسالة حـ 1 ص 584 .

مع إرداة الله الدينية الشرعية ، وذلك يدخل تحت إرادة الله الكونية وهو نهاية التوحيد الحقيقى الذى عبر عنه بقوله:

( أن يكون العبد شبحا بين يدى الله سبحانه وتعالى ، تجرى عليه تصاريف تدبيره في مجارى أحكام قدرته ، في لجج بحار توحيده بالفناء عن نفسه وعن دعوى الخلق له ، وعن استجابته بحقائق وجوده ووحدانيته في حقيقة قربه بذهاب حسه وحركته لقيام الحق سبحانه فيما أراد منه ) (1) .

وهو يشير بذلك إلى الحديث القدسى:

( فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به ، وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ، ورجله التى يمشى عليها ) (2) .

وإذا أضفنا لقوله السابق قوله: ( التوحيد هو إفراد القديم عن الحدث ) (3) .

علمنا بأنه إنما يريد التحرر من رق الأغيار وشهودها لاستغراق القلب في الذكر والمداومة عليه بغية الوصول إلى نهاية العبودية والتحقق .

ــــــــــــــــــــــــ

1-الرسالة حـ 1 ص 584 .

2-سبق تخريجه .

3-انظر ص 87 .

وقد بين ذلك باستفاضة في كتابه الفناء (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت