الصفحة 275 من 295

ومن ثم فهو لا يعنى إسقاط الإرادة الدينية لرؤيتة للإرادة الكونية وإنما يعنى تمام القيام بالإرادة الدينية التى يخضع من خلالها لله كما تخضع سائر الأشياء لإرادته الكونية .

وقد دافع الكلاباذى والسراج الطوسى عن مفهوم الصوفية للفناء حتى القرن الرابع الهجرى ، وردوا أى خروج عن الحد السابق ، بل أعلنوا براءتهم ممن قال بفناء الحلول والاتحاد ، ووصفوه بالجهل والضلال (2) .

وتجدر الإشارة إلى حقيقة هامة في فهم السبب الذى أدى إلى القول بالحلول أو الاتحاد ، ففى مرحلة شرح التجربة التى خاضها الصوفى في آدائه العبودية الله والتعبير عنها كنظرية مطعمة بالعناصر الفلسفية ، شاع الاضطراب والخلط والتعقيد مما نجم عنه أخطاء وانحرافات فكرية جمة .

فمثلا كان يقصد بالصفات الإنسانية التى يجب أن تقتلع أو تهجر ويجب على الصوفى أن يتحرر منها ويفنى عنها ، تلك الصفات التى تحول بين الإنسان وكماله الروحى ، تلك الصفات التى تشد الإنسان ــــــــــــــــــــــــ

1-كتاب الفناء للجنيد ص 350 ضمن نصوص صوفية إسلامية نشرها د. كمال جعفر في كتابه التصوف طريقة وتجربة ومذهبا .

2-التعرف ص 151 واللمع ص 541: 544 .

إلى الرغبة والشهوة والطمع ، وتجعله يخلد إلى الأرض ويتبع هواه ، وإلى هذا الحد فالهدف قرآنى محض لا اعتراض عليه ، ولكن سرعان ما فهم المقصود بالصفات الإنسانية هنا الطبيعة البشرية ، ومن ثم فقد ادعى بعضهم أن بالإمكان الانسلاخ من الطبيعة البشرية والتحقق بالصفات الإلهية ، وقد يؤدى هذا إلى تأليه الإنسان وجعله إلها آخر (1) .

ويفرد السراج الطوسى بابا في ذكر من غلط في فناء البشرية بين فيه أن الذين غلطوا في فناء البشرية سمعوا كلام المتحققين في الفناء فظنوا أنه فناء البشرية ، فوقعوا في الوسوسة ، فمنهم من ترك الطعام والشراب وتوهم أن البشرية هى القالب والجثة إذا ضعفت زالت بشريتها ، فيجوز أن يكون موصوفا بصفات الإلهية (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت