ومن ثم فهو لا يعنى إسقاط الإرادة الدينية لرؤيتة للإرادة الكونية وإنما يعنى تمام القيام بالإرادة الدينية التى يخضع من خلالها لله كما تخضع سائر الأشياء لإرادته الكونية .
وقد دافع الكلاباذى والسراج الطوسى عن مفهوم الصوفية للفناء حتى القرن الرابع الهجرى ، وردوا أى خروج عن الحد السابق ، بل أعلنوا براءتهم ممن قال بفناء الحلول والاتحاد ، ووصفوه بالجهل والضلال (2) .
وتجدر الإشارة إلى حقيقة هامة في فهم السبب الذى أدى إلى القول بالحلول أو الاتحاد ، ففى مرحلة شرح التجربة التى خاضها الصوفى في آدائه العبودية الله والتعبير عنها كنظرية مطعمة بالعناصر الفلسفية ، شاع الاضطراب والخلط والتعقيد مما نجم عنه أخطاء وانحرافات فكرية جمة .
فمثلا كان يقصد بالصفات الإنسانية التى يجب أن تقتلع أو تهجر ويجب على الصوفى أن يتحرر منها ويفنى عنها ، تلك الصفات التى تحول بين الإنسان وكماله الروحى ، تلك الصفات التى تشد الإنسان ــــــــــــــــــــــــ
1-كتاب الفناء للجنيد ص 350 ضمن نصوص صوفية إسلامية نشرها د. كمال جعفر في كتابه التصوف طريقة وتجربة ومذهبا .
2-التعرف ص 151 واللمع ص 541: 544 .
إلى الرغبة والشهوة والطمع ، وتجعله يخلد إلى الأرض ويتبع هواه ، وإلى هذا الحد فالهدف قرآنى محض لا اعتراض عليه ، ولكن سرعان ما فهم المقصود بالصفات الإنسانية هنا الطبيعة البشرية ، ومن ثم فقد ادعى بعضهم أن بالإمكان الانسلاخ من الطبيعة البشرية والتحقق بالصفات الإلهية ، وقد يؤدى هذا إلى تأليه الإنسان وجعله إلها آخر (1) .
ويفرد السراج الطوسى بابا في ذكر من غلط في فناء البشرية بين فيه أن الذين غلطوا في فناء البشرية سمعوا كلام المتحققين في الفناء فظنوا أنه فناء البشرية ، فوقعوا في الوسوسة ، فمنهم من ترك الطعام والشراب وتوهم أن البشرية هى القالب والجثة إذا ضعفت زالت بشريتها ، فيجوز أن يكون موصوفا بصفات الإلهية (2) .