[ بداية الطريق ] ... [ نهاية الفناء بداية الحقيقة ]
* الحقيقة والشريعة:
تتضح ملامح الشخصية النموذجية التى يسعى أوائل الصوفية لتحقيقها من خلال الترابط بين الحقيقة والشريعة ، فالشريعة أمر بالتزام العبودية والحقيقة مشاهدة الربوبية ، والشريعة أن تعبده والحقيقة أن تشهده ، والشريعة قيام بما أمر والحقيقة شهود لما قصى وقدر (1) .
ــــــــــــــــــــــــ
1-الرسالة حـ 1 ص 261 .
وليس معنى هذا أن الشريعة في جانب والحقيقة في جانب آخر ولكنهما يلتقيان ويرتبطان ويترتب أحدهما على الآخر ، فكلاهما واجب بأمر الله ، فلن يصل العبد إلى مرضاة الله إلا إذا سلم بنوعين من تدبير الله في ملكه ، وفيهما ملتقى سعى أوائل الصوفية:
1-أن يسلم بتدبيره الشرعى .
2 -أن يسلم بتدبيره الكونى .
ففى تدبيره الشرعى كانت محاولات الأوائل في نفى تدبيرهم إلى تدبير الله ، ومن هنا يظهر الكمال في تحقيق الحرية بإسقاط التدبير واتباع الشريعة .
وفى تدبيره الكونى يظهر الرضا بقضاء الله وقدره ، ليشاهدوا الحقيقة الربانية في فهم العلة الغائية من خلقه وخلق العالم بأسره وليدرك إبداع الله في صنعه في ترتيب الابتلاء وتدافعه وتلاحقه على العبد .
يقول القشيرى: ( كل شريعة غير مؤيدة بالحقيقة فغير مقبول كل حقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير محصول ، والشريعة جاءت بتكليف الخلق والحقيقة إنباء عن تصريف الحق ، وإذا علم أن الشريعة حقيقة من حيث أنها وجبت بأمره ، فالحقيقة أيضا شريعة من حيث أن المعارف به سبحانه وتعالى وجبت بأمره ) (1) .
ــــــــــــــــــــــــ
1-السابق حـ 1 ص 261 .
فالحقيقة والشريعة ركنان أساسيان في الحياة عند أوائل الصوفية يدوران على فلك الحرية ، حرية عقائدية في فهمهم لخلقهم وتركيبهم وإبداعهم أحرارا بوصف الحرية ، وحرية عملية تطبيقية في التزامهم بمنهج العبودية .