فهرس الكتاب
2 ـ وتشير الآية الكريمة {ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} إلى أن العبادة من عناصرها عمل الصالحات قرين الإيمان، وعمل الصالحات معناه تحسين الحياة لنا وللآخرين، {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} . وهي إن شئنا فلسفة هدفها العبادة والسعي. وهل نسعى أكثر ونعبد أقدر إلا بجسم سليم؟ فالسعي يمشي على قدمين، والفلسفة الإسلامية تتوجه إلى إتقان العمل أي حب الدنيا التي فيها العمل، وإصلاح الأداء في الدنيا أملا في دوام السعادة في الآخرة بعد إفلات الروح من الموت. ودوام السعادة هي الشباب الدائم. ولا يعني قصد المولى من خلقه للبشر ليعبدوه أن يقتصر البشر على العبادة في الحياة فالعبادة قرين الاستخلاف والإعمار، والعمل الذي يشغل حياة المسلمين، بدون عكوف طويل وعزلة في الأديرة.
4 ـ فالفلسفة الإسلامية هي فلسفة نضرة مبتهجة متفائلة راجية طامعة في العفو والمغفرة (لكل الذنوب إلا أن يشرك به) ولا بد هكذا من أن ندمج هذه الفلسفة الإيجابية في نظرتنا إلى نسيج ثوب الحياة والموت. هذا الثوب الذي نلبسه على وجه ويتلبسنا على وجهه الآخر.
والمسلمون أوغلوا في موضوع «الروح» برفق، وركزوا على ما يجري عليها من قدر الله عقابا أو ثوابا، وتأدبوا في الحديث عن كنهها، ولم يناقشوا من «الموت» إلا ما ظهر في بعض حالاته حثا على الإتقان في الأداء الدنيوي ونهيا عن المعاصي، وناقشوا من «القلب» ما يتعلق بالتقوى التي تقود إلى العمل الصالح صونا لمصالح الفرد والناس. واستقر رأي الفقهاء والمعاصرين على أن كل المعنويات الدينية «التي وقرت في القلب» قصد بها العقل ومركزه المخ وما انشغال القلب وانفعاله إلا انعكاسا للتدبر والتأثر العقلي، ولا يمكن أن نعزوهما إلى القلب التشريحي الذي ينبض.