فهرس الكتاب
وهنا انتقل الانتباه إلى تحديد منطقة ساق المخ، المتضمنة للتكوين الشبكي المسؤول عن الوعي والمحتوية على المراكز المنظمة للتنفس والدورة الدموية وباقي المسارات العصبية التي تربط بين المراكز العليا للجهاز العصبي الذاتي وبين ما يسيطر عليه أعضاء الجسم المختلفة، وهنا برز مفهوم - موت ساق المخ - على أنه المرادف الملموس لمعنى «الموت» أي مفارقة الروح للجسد فراقا لا رجعة فيه بسبب فقد الوظيفة المتكاملة للجهاز العصبي.
ثم جاءت مرحلة نجاح الطب في زرع الأعضاء المختلفة من شخص إلى آخر وقد كان من أول أمثلتها نقل القرنية ثم توالت عمليات نقل القلب والكلية والكبد ولا ندري إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا الخط في التقدم، وهنا جاءت الحاجة الملحة لتحديد لحظة بدء الموت التي لا يعود بعدها الجسم إلى أداء وظائفه المختلفة بالاتساق والتكامل اللازمين للحياة، إذ أن هذا الميت الذي لا فرصة له في العودة إلى الحياة، تكون أعضاؤه لا زالت في مرحلة من الحيوية لاستمرار إمدادها بالأكسجين وبالدم ولما تلحق بعد بمرحلة التحلل الزمني الذي لا بد ملاقيها إذا ما تركناها دون ري دموي أو إمداد بالأكسجين، ومثل هذه الأعضاء قادرة على مواصلة أداء وظيفتها إذا ما نقلت إلى جسم يتمتع بمراكزه العصبية المنسقة لوظائفه الحيوية والمحافظة على تكامل هذه الوظائف.
فإذا ما وصلنا إلى هذا الموقف أصبح من الواجب أن نحدد تحديدا دقيقا لحظة موت ساق المخ وقبل أن تتقدم عمليات التحلل التي تصيب الأعضاء الأخرى واحدة بعد أخرى.
وقد دلت الدراسات أن هذا التحديد يتوقف على عدة مظاهر سريرية أو إكلينيكية تمكن الطبيب الحاذق من التشخيص عند فحصه للجهاز العصبي، وهي لا تحتاج إلى كثير من الأجهزة عالية التخصص، وهذه المظاهر الإكلينيكية هي المتفق عليها من الجميع طبيا على أنها دالة على وجود حالة موت ساق المخ.