فهرس الكتاب
1 ـ منذ ربع قرن كنا نعايش نحن - أطباء التخدير والعناية المركزة - مرضى إصابات الرأس الذين غفوا في غيبوبة عميقة والذين لا تستجيب عيونهم بطرفة جفن أثناء تنظيفها، ولا يستجيب إنسان العين المتسع للضوء بحركة، ولا يظهر المريض رد فعل لقسطرة الشفط في قصبته الهوائية، وقد استلقوا بلا حراك لمصيرهم المتمثل في الموت التدريجي لأنسجتهم مع الانهيار الحثيث للدورة الدموية وانتشار الجراثيم وتقرح الجلد، ولم نكن نملك من وسائل التشخيص المختبرية ما يمكننا من اليقين باستحالة عودة مريضنا الذي يدق قلبه إلى اليقظة من جديد، واشتدت حاجتنا إلى إرساء مقومات لهذا المفهوم الذي يتضح أمام عيوننا، وللتيقن من حالة اللاعودة، للوظائف المخية، ولمعادلة ذلك (بالموت) كما نعرفه تقليديا عن طريق (توقف القلب والتنفس) ، فبكليهما انتهت حياة الإنسان النشطة الواعية الفاعلة. هكذا أخذ يدق السؤال تلو السؤال في مخنا نحن الأطباء: هل موت كل المخ هو الموت؟ وهل علينا أن نتبنى مقومات لموت كل المخ ونستعمل هذه المقومات لتقرير حدوث الموت؟ وعندما تم إنعاش بعض المرضى بحيث أصبح تنفسهم تلقائيا في حين فقد مخهم الأعلى قدرته على اليقظة الواعية واحتفظ جذع المخ بوظائفه أصبح علينا أن نتساءل: هل هناك مقومات لموت المخ العلوي؟ وهل موت المخ العلوي هو الموت؟ أي هل علينا أن نتبنى مقومات موت المخ العلوي لتقرير «الموت» ؟
2 ـ المهمة الثلاثية: تحديد «مفهوم» لموت المخ، و «مقومات» هذا المفهوم، و «وسائل التشخيص» لموت المخ:
إذن تحددت مهمة الذين يراعون المريض المتوقع موت مخه من تطور حالته تاريخيا في هذه المهام، وبرز لنا بذلك سؤال مهم:
وهذا السؤال هو «كم من المخ يحتاج أن يكون ميتا قبل أن نشخص الموت على أسس عصبية» ؟ (9) .