ثبت تعليله. وهذا الأصل عليه جمهور الأشاعرة عدا الماتريدية الذين خالفوا في ذلك، وقالوا الأصل هو التعليل في الأحكام» 1، و قال وهو في معرض الكلام عن العبادات: « ... ما يتعلق بها من مصالح العباد فذلك حاصل ضمنا وتبعا، لا أصلا مقصودا، إذ ليست المصالح واجبة الحصول في حكمه ... وذهب المنتون إلي أبي حنيفة - رضي اللّه عنه - من علماء الأصول إلي أن الأحكام الشرعية صفات معللة بمصالح العباد لا غير» 2.
ثم قال بعد ذلك: «و إذا تمهدت هذه القاعدة فنقول: الشافعي - رضي اللّه عنه - حيث رأي أن التعبد في الأحكام هو الأصل غلب احتمال التعبد وبني مسائلة في الفروع عليه، وأبو حنيفة - رضي اللّه عنه - حيث رأي أن التعليل هو الأصل بني مسائلة في الفروع عليه» 3.
فعبارة الزنجاني واضحة لا ريب فيها، وأنه لم يصرح - كما ادعي الريسوني - بنفي الشافعي وجمهور أهل السنة تعليل الأحكام الشرعية بالمصالح، لأن الزنجاني يتكلم عن موقف أهل السنة من تعليل العبادات، وموقف غيرهم من الماتريدية.
فحقيقة الأمر أن الأشاعرة وجمهور أهل السنة - عدا الماتريدية - قد كان نفيهم لتعليل الأحكام التعبدية متعلقا بالعلل الجزئية التفصيلية الصالحة للقياس، والتعدية، فمع تسليمهم بوجود العلل الجملية الكلية في الأحكام الشرعية جملة لم يقولوا بصحة تعدية العلل الجزئية بإطلاق، إلا بعد التأكد من مشروعية التعدية، خاصة في العبادات.
وهذا الأمر قد أكده العلماء والباحثون، وندع الإمام الجويني أحد كبار الأشاعرة المعتدين يقرر هذا المعني بجلاء ووضوح ودقة في التعبير حيث يقول: «الضرب الخامس من الأصول ما لا يلوح فيه للمستنبط معني أصلا، ولا مقتضي من ضرورة أو
(1) تخريج الفروع علي الأصول، الزنجاني، ص 38.
(2) المرجع السابق، ص 39، 40.
(3) المرجع السابق، ص 41.