حاجة، أو استحثاث علي مكرمة، وهذا يندر تصوره جدا، فإنه إن امتنع إستنباط معني جزئي، فلا يمتنع تخيله كليا، ومثل هذا القسم العبادات البدنية المحضة، فإنه لا يتعلق بها أغراض دفعية ولا نفعية، ولكن لا يبعد أن يقال: تواصل الوظائف يديم مرون العباد علي حكم الانقياد، وتجديد العهد بذكر اللّه - تعالي - ينهي عن الفحشاء والمنكر، وهذا يقع علي الجملة، ثم إذا انتهي الكلام في القسم إلي تقديرات كأعداد الركعات وما في معناها، لم يطمع القايس في استنباط معني يقتضي التقدير في ما لا ينقاس أصله» 1.
ثم أعاد شرح هذه في موضع آخر فقال: «الضرب الخامس متضمنه العبادات [البدنية] التي لا يلوح فيها معني مخصوص ... كالتنظف في الطهارة، والتسبب إلي العتاقة في الكتابة، لكن يتخيل فيها أمور كلية تحمل علي المثابرة علي فعل الخيرات ومجاذبة القلوب إلي ذكر اللّه - تعالي - و الغض من الغلو في مطالب الدنيا، والاستئناس بالاستعداد للعقبي» 2.
وبيّن أن استخراج الحكم الكلية في العبادات لا تنكر علي الجملة؛ بل أشعرت بها النصوص، ولا يبعد أن يخيل فيها حكم أخري جملية، لكن لا يضبطها القياس، ولا يحيط بها نظر المستنبط لأنها مما استأثر اللّه به 3.
وقال الشاطبي: «قد علم أن العبادات قد وضعت لمصالح العباد في الآخر أو الدنيا علي الجملة، وإن لم يعلم ذلك علي التفصيل» 4.
فواضح أن نفي التعليل في العبادات متوجه إلي العلل التفصيلية الصالحة للقياس، ولم يتوجه إلي نفي التعليل الجملي فيها.
(1) البرهان في أصول الفقه، الجويني، 2/ 80.
(2) المرجع السابق، 2/ 93.
(3) المرجع نفسه.
(4) الموافقات، الشاطبي، 1/ 201.