الصفحة 108 من 378

وقال محمد عقلة الإبراهيم: « ... إن خفاء هذه الحكم أحيانا لحكمة شاءها اللّه سبحانه وتعالي، أو لقصور عقولنا عن إدراكها، لا يعني عدم وجودها ... بأن خفيت أسرار بعض التشريعات وحكمها فليس ذلك دليلا علي انتفائها، ومبررا للتقصير في فعلها، فالخطأ كل الخطأ ربط الالتزام بأحكام الشرع بظهور حكمتها للعقل البشري القاصر الضعيف» 1.

وذكر عبد المجيد النجار أن الأمر الذي لا تعرف مصلحته لأي سبب من الأسباب يبقي اقتضاء التطبيق متعلقا به، ولا يسقط بسبب جهل وجه المصلحة فيه لأن الأمر والنهي هو مقصود الشارع، علم مصلحتها، أم لم تعلم، لأن معني الاقتضاء راجع إلي مجرد الطلب 2.

أريد أن أخلص من هذا، ومما سبق إلي وجوب الفصل بين موضوعين متمايزين هما:

-التعليل في الأحكام الشرعية الذي هو المقاصد الجملية، وبين العلة الشرعية الفقهية التي تصلح للقياس والتعدية، فإذا قال أشعري: الأصل عدم التعليل في العبادات يفهم منه بداهة العلة الشرعية القياسية، ولا يفهم منه نفي تعليل الأحكام الشرعية بالمقاصد أو العلل الجملية، كما فهمه الريسوني، وما أحسن عبارة محمود يعقوبي في الإفصاح عن هذا والتي قال فيها: « ... ينبغي لنا أن نميز جيدا بين حالة وجود العلة بالفعل في الأحكام الشرعية، وبين حالة اعتقاد وجودها من جهة، وبين مشروعية تعديتها عند التسليم بوجودها وعدم مشروعية تعديتها» 3.

ولما طرح الريسوني سؤالا: «و لكنه أيهما الأصل التعليل أم عدم التعليل» ؟ أجاب أن التعليل هو الأصل في الأحكام، والتعبد استثنائي، فلو وقف عند هذا لما لمته، لأن ذاك ترجيحه واختياره، ولكني وجدته يستدل علي صحة ما اختار بما خرّجه الأشاعرة من أسرار وألطاف في العبادات، وما قالوه من تعليل أصول الأحكام الشرعية، فحصل له الالتباس من

(1) الإسلام ومقاصده وخصائصه، محمد عقلة الإبراهيم، ص 100 - 101.

(2) فصول في الفكر الإسلامي المغربي، عبد المجيد النجاز، ص 188 - 191.

(3) مسالك العلة وقواعد الاستقراء عند الأصوليين، وجون ستورات مل، محمود يعقوبي، ص 55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت