هذا المدخل. نعم التعليل هو الأصل في الأحكام الشرعية وما لم يعلل فيها قليل، ولكن هذا منظور إلي كل الأحكام والأصول لا إلي قسم العبادات وحده، وهذا قد قال به جمهور الأشاعرة أيضا الذين قرروا أن التعبد في العبادات أصل، والتعليل فيها استثناء ولا تناقض بين هذا وذال؛ لذلك قال الجويني وهو يتكلم عن تقاسيم العلل والأصول: «و نحن نقسمها خمسة أقسام: أحدها: ما يعقل معناها وهو أصل، ويؤول المعني المعقول منه إلي أمر ضروري لا بد منه» 1، ثم ذكر بقية الأضرب وملحضها كما بلي 2:
-الثاني: ما تعلق بالحاجة نحو الإجارة والتي هي في درجة الضروري فالتحقت بأصله في التعليل.
-الثالث: ما تعلق بالتحسينات، ولكن كان إلي التعبد أقرب، فهنا لا يجوز التعليل والقياس فيه، إلا ما كان من التعليل الجملي، نحو الطهارات وما يضاهيها فهو مبني علي سد القياس فيها.
-الرابع: ما ندب إلي تحصيله ابتداء من غير حاجة أو ضرورة فهو معلل أيضا.
-الخامس من الأصول: ما لا يلوح فيه للمستنبط معني أصلا، وهذا يندر تصوره جدا وهو قسم العبادات البدانية.
أقول: ندرة تصور هذا القسم التي ذكرها الجويني هنا هي بالنظر إلي بقية الأصول المعللة، ولم تكن الندرة موجهة إلي عدم تصور معني جزئي، فإننا نري: الأول والثاني والرابع أصولا جارية علي التعليل والقياس، ما عدا الثالث والخامس فإنهما يجريان علي التعبد مع العلم أن الثالث تعلق بجزء من التحسينات ولم يتعلق بكلها، فهذان الضربان لا ينكر استخراج حكم كلية لهما جريا علي ما سلّم به من تعليل أصول الأحكام كلية، وأما التنقير علي عللها الجزئية فهو لا يحيط به علم المجتهد، فيكون تصور تعليلها نادرا جدا
(1) البرهان، الجويني، 2/ 79.
(2) المرجع السابق، 2/ 79 - 95.