الصفحة 110 من 378

وتحكمها هو الغالب، أما قارنا العبادات مع بقية الأحكام الأخري فنقول: التحكم نادر في أصول الأحكام، والتعليل هو الغالب، وهذا لا ينافي ذاك، و لذلك لما سئل الغزالي عن ندور التحكم أو كثرته في العبادات قال: «فإن قيل التحكمات التي لا تعقل معانيها ليست نادرة، وأنتم بنيتم علي ما ذكرتموهم علي ندور التحكم بالإضافة إلي المعاني وإتباعها؟ قلنا: ما يتعلق من التحكم بمصالح الخلق من الناكحات والمعاملات والجنايات والضمانات، وما عداها فالتحكم فيها نادر؛ وأما العبادات والمقدرات فالتحكمات فيها غالبة، وأتباع المعني نادر. لا جرم رأي الشافعي فيه الكف عن القياس في العبادات، إلا إذا ظهر المعني ظهورا لا يبقي معه ريب، لذلك لم يقس علي التكبير والتسليم ... ، بل لم يقس علي الماء في الطهارت غيره، ولم يقس الأبدال والقيم في الزكوات علي المنصوصات، ولم يقس في مسألة الأصناف ومال في جميع مسائلها إلي الكف عن القياس، ورعاية الأحتياط لأن مبني العبادات الأحتكامات» 1.و عليه فقسم العبادات إن استخرجنا منها معاني ووقفنا علي مصالحها، فهي حكم المشروعية التي تعين علي مقصد التعبد الذي قال عنه أغلب الجمهور إنه لا ينبغي التنقيب عنه، وحسب الفقيه فيها ما كان منصوصا أو ظاهرا.

فالمعاني الكلية لا تنكر جملة أنها حكم الشارع، ولكن لا يضبطها قياس 2، و علي هذا جري الشاطبي في تقدير هذا الأصل؛ حيث رأي أن: الأحكم العبادية لا تعلل في أغلبها، ثم استخرج حكم الشرعية للعبادات، وهو لم يناقض أصله الذي بني عليه، لأن القول بهذه الحكم تابع للقول أن أحكام الأصول معللة بالحكم والمصالح، وهي الأصل بما فيها الأحكام العبادات وهذا متفق عليه، والقول بنفي تعليل العبادات منصرف إلي التعليل الذي تصح به التعدية والقياس، وهو قول جمهور أهل السنة والأشاعرة خلافا للماتريدية.

(1) شفاء الغليل، الغزالي، ص 203، 204؛و المقصود بالاحتكامات ما خفي وجه اللطف فيه، وما استأثر اللّه بعلمه، وقصر نظر القاسة عن إدراكه ووجب اتباع الموارد فيه.

(2) البرهان، الجويني، 2/ 93، و شفاء الغليل، ص 203، 204.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت