وما استنبط فيها من معاني كلية فهي من ملح العلم لا من صلبه، أو من التخمينات التي لا ينبني عليها عمل، 1و منه لم يخرم الشاطبي أصله الذي بني عليه في عدم تعليل العبادات باستخراج حكم المشروعية لها، كما فعل في الصلاة والزكاة ... الخ؟.لأن هذه الحكم لا تصلح للقياس كما صرح به العلماء، ولكن الريسوني جمع بين التعليلين ليخرج بنتيجة أن التعليل في العبادات أغلب والتعبد نادر حتي عند الأشاعرة، وعضد اتجاهه هذا بما ذكره الكثير من العلماء كالغزالي وابن القيم والمقري والشاطبي نفسه وغيرهم من تعليل العبادات تعليلا جمليا، وهذا لا ينهض دليلا لقلب أصل العبادات عند الأشاعرة، لأن ما فعله هؤلاء هو تخريج حكم المشروعية التي لا تصلح للقياس في شي ء، وقد أجاب عنها الجويني فقال: «فهذه أمور كلية، لا ننكر علي الجملة أنها غرض الشارع في التعبد في العبادات البدنية وهذا فن لا يضبطه القياس ولا يحيط به نظر المستنبط، والأمر فيه محال علي أسرار الغيوب» 2، و نحوه جاء عن الإمام الغزالي وقد سبق تقريره، فلما لم يتميز هذا من ذلك عند الريسوني حدا به الأمر إلي وصف الشاطبي بالتناقض، وعلق علي كلام الزنجاني في الموضوع، «أنه ادعاء محض» 3.
فأقول في خلاصة هذا الرد: إن الزنجاني نقل عن جمهور أهل السنة، وعن الشافعي أن: «الأصل في العبادات عدم التعليل» ، و هذا لا يفهم منه تقويلهم بنفي المصالح، ثم نسبة الزنجاني إلي الادعاء المحض، بل أقوال ما نسب إلي الزنجاني هو الإدعاء المحض، لأن الإمام براء منه علي ما سلف بيانه، وأن الشاطبي وغيره من الأشاعرة ممن استخرجوا حكم المشروعية لم ينقضوا قاعدتهم الممهدة في العبادات.
أما ما يتعلق بما اتهم به ابن السبكي فأقول:
إن ابن السبكي ليس منكرا للتعليل كما ادعي الريسوني بصريح عبارته. وليس كلامه - في محاولة توفيقه بين رأي المثبتين للتعليل والنافين له - تأكيدا لإنكار التعليل ولا خروجا
(1) البرهان، للجويني؛ شفاء الغليل، الغزالي، والموافقات، الشاطبي، 1/ 80.
(2) البرهان، الجويني، 2/ 93.
(3) نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، الريسوني، ص 201.