أفعال اللّه وأحكامه، لم يكن بهذا اعتزاليا، ولم يخرج عن الأشاعرة في تأصيلة للقضية، ذلك أن الشاطبي يمثل في هذه القضية بالذات الأشعري الذي استفاد من مراحل المدرسة الكلامية الأشعرية في قمة نضجها، التي رست في قضية التعليل علي القول به في الأفعال والأحكام، مما يدل علي استيعابه لفحوي القضية عند الأصحاب، خاصة أنه من كبار المحققين، وأنه كان كثير الاطلاع علي آراء الجويني وتلميذه الغزالي، وقد سبق أن هؤلاء نفوا المحذور الذي فر منه من خاف إيهام «الغرض» ، و بيّنوا أن القائل بالمعرف لم ينف تمام التأثير فيها، بل قصد نفي التأثير الذاتي الذي لاح من مقولة المعتزلة1.
وصرح الغزالي أن الخلاف بين المعرف والعلامة والمؤثر لفظي حيث قال: «و هذا الاختلاف يرجع إلي التسمية وقد صرح الأصوليون بهذا الاختلاف، ولا ضير فيه» 2، كما صرح بنفي الغرض فقال: «غرضنا من أدلة الشرع أن اللّه - تعالي - أراد صلاح أمر الخلق في دينهم ودنياهم، واللّه منزه عن التأثر بالأغراض، والتغير بالدواعي، والصوارف، ولكنها شرعت لمصالح الخلق، نعقل ذلك من الشرع لا من العقل، كيلا يظن بنا ظان استمدادنا في هذه التصرفات من معتقدات أرباب الضلال، وطبقات الاعتزال» 3.
فالرازي كاد يقبل مراد الغزالي بالمؤثر، لكن أشكل عليه تأثير العلة في خطاب الشارع القديم، فأرجع حاصل المؤثر إلي المعرّف، حيث قال عن المؤثر: «و هذا هو الذي عول عليه الغزالي في شفاء الغليل، فيقال له: إن أردت بجعل الزني علة موجبة للرجم: أن الشرع قال: مهما رأيتم إنسانا يزني فاعلموا أني أوجبت رجمه، فهذا صحيح، ولكن يرجع حاصله إلي كون الزني معرفا لذلك الحكم» 4، و لكن الرازي لم يثبت علي إنكاره لهذه المصطلحات بدليل ما نقله ابن مفلح - و هو يتكلم عن رجوع الباعث إلي المكلف:
(1) متن التنقيح صدر الشريعة، المطبوع مع شرح التلويح للتفتازاني، 2/ 134؛و نهاية السول الأسنوي، المطبوع مع مناهج العقول للبداخشي، 1/ 163.
(2) شفاء الغليل، الغزالي، ص 292.
(3) المرجع السابق، ص 204، 205.
(4) المحصول، الرازي، 5/ 130.