ويثبت أن الأشاعرة علي القول بالتعليل؛ ولذلك ذهب ابن تيمية إلي أن القول بالحكمة في أفعاله وأحكامه هو إجماع المسلمين لكن تنازعوا في تفسير ذلك 1.كما لم يتردد الزركشي أحد كبار المحققين في اعتبار أن الخلاف كان لفظيا، وقائما حول تفسير الغرض ولبم يقم علي التعليل ذاته 2.
وإذا تقرر هذا نقول: إن الشاطبي صرح أن الأحكام والأفعال ومعللة وإن لم يدلل علي القضية، فهو يمثل الأشعري الذي وقف علي قول الأوائل والأخر واستوعب القضية علي حقيقتها فأمسك بنهاية وخلاصة القول فيها، ولم يرد الخوض والتنقيب عن جذورها الأولي، لأنها لم تعد تجدي نفعا بعد تمحيص القضية، خصوصا أن الشاطبي في «الموافقات» يروم عرض نظرية المقاصد بشكل أعمق، فذكر مسألة التعليل عرضا وأنها مسلّمة بعد ما محصت، وراح يؤسس نظرية المقاصد علي هذا الأساس المسلم، وعلي تلك الخليفة المحسوسة، وعليه لا يستقيم الافتراض الذي افترضه الباحث في كون الشاطبي اعتزاليا؛ لأن الأشاعرة لم يثبتوا علي نفي التعليل حتي تضيق نظريتهم عن احتوائه ونظريته المقصدية الواسعة، ولم يعد ثمة مبرر لنسبة الشاطبي إلي الاعتزال؛ لأن المعتزله لم ينفردوا بقولهم بالتعليل، بل قال به الماتريدية والأشاعرة الذين حاولوا تخفيف نزعة العقل التي طغت علي المعتزلة، فأدي الأمر ببعضهم إلي الوقوع فيما ينفي التعليل ظاهرا، لكن عادوا إلي المسار الأوفق وسلموا بالتعليل في الموضعين، وتوضحت نظريتهم فيه بشكل لا يدع مجالا للاعتقاد في انتمائهم إلي النفاة، ولما بني أحمد الطيب فكرته علي أن الأشاعرة من النفاة لم يجد بدا من إدراج الشاطبي في مسلك المعتزلة ونسبته إلي الأخذ من أصلهم في القول بوجوب التعليل في أفعال اللّه - تعالي - فواضح أن الأساس الذي بني عليه الباحث غير مسلم، أو لنقل: أنه انطلق من نظرة جزئية أو سريعة - كما قال - في الموضوع، مما
(1) منهاج السنة، ابن تيمية، 1/ 34، 35.
(2) تشنيف المسامع بجمع الجوامع، الزركشي، 2/ 49.