ومنه فإني اعتبر الشاطبي أشعريا، وأنفي عنه صبغة الاعتزال بكل تأكيد. وأما ما تساءل عنه الباحث من التعميم الكاسح لنظرية المقاصد في الموافقات وقول الشاطبي أن العبادات غير معللة وأن هذا نقض لتعميم الاستقراء في المقاصد فجوابه:
أن الباحث قال بذلك لانطلاقه من تصور أن المقاصد مخصصة لدراسة المصالح التي هي بمعني العلل الجزئية القياسية، ولعله غاب عنه أن المقاصد دائرة عظمي تشمل مصالح عامة في العبادات لا تصلح للقياس لأن اللّه استأثر بتفاصيلها، وتشمل مصالح من قبيل العلل الجزئية القياسية، كما تشمل مصالح يشهد لها الشارع بالاعتبار، وإذا ذكر الشاطبي أن أكثر العبادات غير معلل قصد بها العلل من جنس النوعين الأخيرين، ولم يقصد التعليل الأول، وهذا لا يقدح في التعميم الكاسح في نظرية المقاصد عند الشاطبي، ونظرا لتركيز الباحثين علي دراسة المقاصد التي هي بمعني مصالح المكلفين يخيل إل أن المقاصد هي مصالح المكلفين العملية الجزئية التي يمكن إدراكها، نعم هي الغالب والأكثر في المقاصد ولكن يقال: لا يمكن نسيان الشطر الثاني للمقاصد الذي هو عموما الحكم والمصالح والمقاصد العامة التي تختص بالعبادات، وإن قلت بالنظر إلي الأصول والأحكام المعللة، وعليه فمصططلح الغالب والنادر في التعليل إضافي واعتباري، والشاطبي لم يغفل هذا، ? ويلحظ ذلك بجلاء ووضوح في موضوع المقاصد الأصلية والعامة بالذات التي لا تنبي علي التعليل عموما عند الأشاعرة، ومع ذلك احتلت محورا مهما في دراسة المقاصد ولم تتناقض مع التعميم الكاسح لنظرية المقاصد في «الموافقات» المبنية أساسا علي القول بتعليل الأصول والأحكام. واللّه أعلم.