الصفحة 134 من 378

فيما يتعلق بغزوة بدر المباركة، نلاحظ تعدد وتنوع مواقف ودلالات المدد الربّاني، إلا أنه بالإمكان تعيين هذه المواقف في ستة مواضع محددة وردت في القرآن الكريم، وكما يأتي:

الموضع الأول: قال تعالي في محكم التنزيل:

ولقد نصركم اللّه ببدر وأنتم أذلّة فاتّقوا اللّه لعلّكم تشكرون*إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين*بلي إن تصبروا وتتّقوا ويأتوكم مّن فورهم هذا يمددكم ربّكم بخمسة آلاف مّن الملائكة مسوّمين*و ما جعله اللّه إلاّ بشري لكم ولتطمئنّ قلوبكم به وما النّصر إلاّ من عند اللّه العزيز الحكيم

إن النصر في بدر كانت له رائحة المعجزة الربانية، إذ تم بمؤازرة مدد السماء لجيش المسلمين. فلم تكن الكفتان بين المؤمنين والمشركين متوازنتين ولا قريبتين من التوازن. كان المشركون حوالي ألف، خرجوا نفيرا لاستغاثة أبي سفيان، لحماية القافلة التي كانت معه، مزدودين بالعدة والعتاد، والحرص علي الأموال، والحميّة للكرامة. وكان المسلمون حوالي ثلاثمائة، لم يخرجوا لقتال هذه الطائفة ذات الشوكة، إنما خرجوا لرحلة هيّنة. لمقابلة القافلة العزلاء وأخذ الطريق عليها، فلم يكن معهم - علي قلة عددهم - إلا القليل من العدّة. وكان وراءهم في المدينة مشركون لا تزال لهم قوتهم، ومنافقون لهم مكانتهم، ويهود يتربصون بهم، وكانوا هم بعد ذلك كله قلّة مسلمة في وسط خضم من الكفر والشرك في الجزيرة. ولم تكن قد زالت عنهم بعد صفة أنهم مهاجرون مطاردون من مكة، وأنصار آووا هؤلاء المهاجرين ولكنهم ما يزالون نبتة غير مستقرة في هذه البيئة2.

فبهذا كله يذكرهم اللّه عز وجل، ويرد ذلك النصر إلي سببه الأول في وسط هذه الظروف العصيبة.

لا بد من القول إذا إن اللّه هو الذي نصر المسلمين، ونصرهم لحكمة نص عليها في مجموعة هذه الآيات. وهم لا ناصر لهم من أنفسهم ولا من سواهم. فإذا اتقوا وخافوا فليتقوا ويخافوا اللّه، الذي يملك النصر والهزيمة، والذي يملك القوة والسلطان وحده. فلعل التقوي أن تقودهم إلي الشكر، وأن تجعله شكرا وافيا لائقا بنعم اللّه عليهم علي كل حال.

(1) سورة آل عمران/الآيات 123 - 126 ... للتوسع في تفسير هذه الآيات راجع: في ظلال القرآن، (1/ 469 - 471) ، مختصر تفسير القرطبي، اختصره وخرج أحاديثه الشيخ عرفان حسّونة، (1/ 399 - 402) ، تفسير القرآن العظيم لأبن كثير، (1/ 489 - 492) .

(2) في ظلال القرآن، (1/ 469) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت