هذه هي اللمسة الأولي في تذكيرهم بالنصر في بدر ... ثم يستحضر بعد ذلك مشهدها ويستحيي صورتها في حسّهم إذ يقول عز وجل:
ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلاف مّن الملائكة منزلين *بلي إن تصبروا وتتّقوا ويأتوكم من فورهم 1هذا يمددكم ربّكم بخمسة آلاف مّن الملائكة مسوّمين 2.
إذ كانت هذه كلمات رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم يوم بدر للقلة المسلمة التي خرجت معه والتي رأت نفير المشركين، وهي خرجت لتلقي طائفة العير، لا لتلقي طائفة النفير الموقرة بالسلاح. وقد أبلغهم الرسول صلي اللّه عليه وسلم ما بلغه يومها من ربه، لتثبيت قلوبهم وأقدامهم، وهم بشر يحتاجون إلي العون في صورة قريبة من مشاعرهم وتصوراتهم، وأبلغهم كذلك شرط هذا المدد .. إنه الصبر والتقوي، الصبر علي تلقي صدمة الهجوم، والتقوي التي تربط القلب باللّ?ه في حالتي النصر والهزيمة3.
فالآن يعلمهم اللّه أن مرد الأمر كله إليه، وأن الفاعلية كلها منه سبحانه، وأن نزول الملائكة ليس إلا بشري لقلوبهم لتأنس بهذا وتستبشر، وتطمئن به وتثبت. أما النصر فمنه مباشرة، ومتعلق بقدره وإرادته بلا واسطة ولا سبب ولا وسيلة. وذلك مصداقا لقوله عز وجل:
وما جعله اللّه إلا بشري لكم ولتطمئنّ قلوبكم به وما النّصر إلاّ من عند اللّه العزيز الحكيم.
وهذا أسلوب حصر وقصر، أي لا يقع النصر إلا بقدره عز وجل 4.
عرف المسلمون أن اللّه هو الفاعل - وحده - عرفوا كذلك أنهم مأمورون من قبل اللّه باتخاذ الوسائل والأسباب، وبذل الجهد، والوفاء بالتكليف .. فاستيقنوا الحقيقة، وأطاعوا الأمر، في توازن شعوري وحركي عجيب!
إن هذه الآيات تستحضر مشهد بذر والرسول صلي اللّه عليه وسلم يعد المسلمين المحاربين بنزول الملائكة تقاتل في صفهم مددا من عند اللّه، إذا هم استمسكوا بالصبر والتقوي والثبات في المعركة. ثم يخبرهم بحقيقة المصدر الفاعل - من وراء نزول الملائكة - و هو اللّه .. الذي تتعلق الأمور كلها بإرادته، ويتحقق النصر بإذنه .. فهو"العزيز"القوي ذو السلطان القادر علي تحقيق النصر. وهو"الحكيم"الذي يجري قدره علي وفق حكمته.
(1) فورهم هذا: أي من وجههم أو جهتهم هذه. بنظر: لسان العرب، لابن منظور، (7/ 186) .
(2) مسومين: أي معلمين لهم علامة تميزهم. ينظر: لسان العرب، (4/ 758)
(3) في ظلال القرآن، (1/ 470) .
(4) في ظلال القرآن، (1/ 470) .