الصفحة 137 من 378

إن إمداد اللّه تعالي للمؤمنين بالملائكة أمر قطعي ثابت لا شك فيه، وإن الحكمة من هذا الإمداد تحصيل ما يكون سببا لانتصار المسلمين: من بشارتهم بالنصر، ومن تثبيتهم بما ألقوه في قلوبهم من بواعث الأمل في نصرهم، والنشاط في قتالهم، وبما أظهروه لهم من أنهم معانون من اللّه تعالي، وأيضا بما قام به بعضهم من الاشتراك الفعلي في القتال، ولا شك أن هذا الاشتراك الفعلي في القتال قوّي قلوبهم وثبتهم في ساحة المعركة، وهذا ما دلّت عليه الآيات البيّنات، صرّحت به الأحاديث النبوية1.

الموضع الثاني: قال تعالي في محكم التنزيل:

إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم أنّي ممدّكم بألف من الملائكة مردفين*و ما جعله اللّه إلاّ بشري ولتطمئنّ به قلوبكم وما النّصر إلاّ من عند اللّه إنّ اللّه عزيز حكيم*إذ يغشّيكم النّعاس أمنة مّنه وينزّل عليكم مّن السّماء ماء لّيطهّركم به ويذهب عنكم رجز الشّيطان وليربط علي قلوبكم ويثبّت به الأقدام*إذ يوحي ربّك إلي الملائكة أنّي معكم فثبّتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الّذين كفروا الرّعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كلّ بنان

الاستغاثة هنا تعني طلب الغوث والنصر. وروي مسلم عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال: لما كان يوم بدر نظر رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم إلي المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي اللّه صلي اللّه عليه وسلم القبلة، ثم مدّ يديه، فجعل يهتف بربه:"اللهم أنجزلي ما وعدتني. اللهم ائتني ما وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض".فما زال يهتف بربه مادّا يديه مستقبل القبلة حتي سقط رداؤه عن منكبيه. فأتاه أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه فأخذ رداءه فألقاه علي منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي اللّه كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل اللّه تعالي:

إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم أنّي ممدّكم بألف مّن الملائكة مردفين

فأمدّه اللّه بالملائكة3.و في الحديث الذي رواه البخاري: جاء جبريل عليه السلام إلي النبي صلي اللّه عليه وسلم فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال:"من أفضل المسلمين"- أو كلمة نحوها - قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة4.

(1) ينظر: المستفاد من قصص القرآن للدعوة والدعاة، عبد الكريم زيدان، (2/ 131 - 132) .

(2) سورة الأنفال/الآيات 9 - 12 ... للتوسع في تفسير هذه الآيات راجع: في ظلال القرآن، (3/ 1482 - 1486) . مختصر تفسير القرطبي، (2/ 266 - 270) ، مختصر تفسير ابن كثير، اختصار وتحقيق محمد علي الصابوني، (2/ 88 - 92) .

(3) صحيح مسلم بشرح النووي، حديث رقم 1763، (6/ 327 - 328) .و ذكر الألف من الملائكة في هذه الآية لا ينافي الثلاثة آلاف الوارد ذكرهم في سورة آل عمران - الآية 124، لقوله سبحانه"مردفين"و التي تعني يردفهم بغيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم.

(4) أخرجه البخاري، فتح الباري بشرح البخاري، الحديث رقم 3952، (7/ 311 - 312) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت