وأما قصة الماء فهي قصة مدد آخر من أمداد اللّه للعصبة المسلمة قبيل المعركة. إذ بيّن - سبحانه - أنه أكرم المؤمنين بإنزال المطر عليهم في وقت لم يكن المعتاد فيه نزول الأمطار وذلك فضلا منه وكرما، وإسناد هذا الإنزال إلي اللّه للتنبيه علي أنه أكرمهم به.
قال الإمام الرازي: وقد علم بالعادة أن المؤمن يكاد يستقذر نفسه إذا كان جنبا، ويعتم إذا لم يتمكن من الاغتسال، ويضطرب قلبه لأجل هذا السبب. وبذلك يعد تمكين المؤمنين من الطهارة من جملة نعم اللّه عز وجل 1.
روي ابن جرير عن ابن عباس قال: نزل النبي صلي اللّه عليه وسلم، يعني حين سار إلي بدر والمسلمون بينهم وبين الماء رملة دعصة2، فأصاب المسلمين ضعف شديد، وألقي الشيطان في قلوبهم الغيظ يوسوسهم .. تزعمون أنكم أولياء اللّه وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون علي الماء، وأنتم تصلون مجنبين، فأمطر اللّه عليهم مطرا شديدا، فشرب المسلمون وتطهروا، فأذهب اللّه عنهم رجز الشيطان، وثبت الرمل حين أصابه المطر، ومشي الناس عليه والدواب فساروا إلي القوم 3.
لقد بيّن - سبحانه - أنه أنزل علي عباده المؤمنين المطر قبل المعركة فتطهروا به حسيّا ومعنويا إذ ربط اللّه به علي قلوبهم وثبت به أقدامهم، وذلك أن الناظر في منطقة بدر يجد في المنطقة رمالا متحركة لا زالت حتي اليوم ومن العسير المشي عليها، ولها غبار كثيف، فلما نزلت الأمطار تماسكت تلك الرمال وسهل السير عليها وانطفأ غبارها وكل ذلك كان نعمة من اللّه علي عباده 4.
والمدد علي هذا النحو مدد مزدوج: مادي وروحي. فالماء في الصحراء مادة الحياة، فضلا علي أن يكون أداة النصر. والجيش الذي يفقد الماء في الصحراء يفقد أعصابه قبل أن يواجه المعركة. ثم هذه الحالة النفسية التي صاحبت الموقف ووسوس بها الشيطان .. حالة التحرج من أداة الصلاة علي غير طهر لعدم وجود الماء (و لم يكن قد رخص لهم بعد في التيمم، فقد جاء هذا متأخرا في غزوة بني المصطلق في السنة الخامسة) .و هنا تثور الهواجس والوساوس، ويدخل الشيطان من باب الإيمان ليزيد حرج النفوس ووجل القلوب. والنفوس التي تدخل المعركة في مثل هذا الحرج وفي مثل هذا القلق تدخلها مزعزعة مهزومة من داخلها .. وهنا يجي ء المدد وتجي ء النجدة من المولي وعز وجل ليتم المدد الروحي
(1) تفسير الرازي، (15/ 133) .
(2) دعصة: طائفة من الزمل مجتمعة. ينظر: لسان العرب، (3/ 361) .
(3) دلائل النبوة، (3/ 78) .
(4) حديث القرآن عن غزوات الرسول صلي اللّه عليه وسلم، محمد بكر آل عابد، (1/ 91) .