رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم قبضة من تراب فرمي بها في وجوه القوم وقال:"شاهت الوجوه"، فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم يقتلونهم ويأسرونهم وكانت هزيمتهم في رمية رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم، فأنزل اللّه تعالي:
وما رميت إذ رميت ولكنّ اللّه رمي
وفي قوله تعالي:
وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا
أي ليرزقهم من عنده أن يبلوا البلاء الحسن الذي ينالون عليه الأجر، بعد أن يكتب لهم به النصر. فهو الفضل المضاعف أولا وأخيرا2.قال عروة بن الزبير في إظهار معني قول اللّه: أي ليعرف المؤمنين نعمته عليهم، من إظهارهم علي عدوهم مع كثرة عدوهم وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه ويشكروا بذلك نعمته 3.و في قوله:
إنّ اللّه سميع عليم.
.. المعني إن اللّه يسمع استغاثتكم، ويجعلكم ستارا لقدرته، متي علم منكم الخلوص له، ويعطيكم النصر والأجر كما عطاكم هذا وذاك في بدر4.
ذلكم وأنّ اللّه موهن كيد الكافرين.
.. وهذه أخري بعد تلك الأولي. إذ أن التدبير الربّاني لا ينتهي عند أن يقتل لكم أعداءكم بأيديكم، ويصيبهم برمية رسولكم، ويمنحكم حسن البلاء ليأجركم عليه .. إنما هو يضيف إليه توهين كيد الكافرين، إضعاف تدبيرهم وتقديرهم، فلا مجال إذن للخوف، ولا مجال إذن للهزيمة، ولا مجال إذن لأن يولي المؤمنون الأدبار عند لقاء الكفار5.
الموضع الرابع: قال تعالي في محكم التنزيل:
إذ أنتم بالعدوة الدّنيا وهم بالعدوة القصوي والرّكب أسفل منكم ولو تواعدتّم لاختلفتم في الميعاد ولكن لّيقضي اللّه أمرا كان مفعولا لّيهلك من هلك عن بيّنة ويحيي من حي عن بيّنة وإنّ اللّه لسميع عليم*إذ يريكهم اللّه في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لّفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكنّ اللّه سلّم إنّه عليم بذات الصّدور*و إذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقلّلكم في أعينهم ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا وإلي اللّه ترجع الأمور
(1) مختصر تفسير ابن كثير، (2/ 93 - 94) .
(2) في ظلال القرآن، (3/ 1490) .
(3) مختصر تفسير ابن كثير، (2/ 49) .
(4) في ظلال القرآن، (3/ 1490) .
(5) المصدر السابق، (3/ 1490 - 1491) .
(6) سورة الأنفال/الآيات 42 - 44 ... للتوسع في تفسير هذه الآيات راجع: في ظلال القرآن، (3/ 1524 - 1527) ، مختصر تفسير القرطبي، (2/ 283 - 284) ، مختصر تفسير ابن كثير، (2/ 108 - 110) .