الصفحة 144 من 378

تستحضر الآيات القرآنية مشاهد ومواقف المعركة بأسلوب عجيب يكشف عن تدبير اللّه عز وجل في إدارتها. حتي ليكاد الإنسان يري عظمة الخالق من وراء الأحداث والحركات، كما تتضح غاية التدبير التي تحققت كما أرادها اللّه تعالي.

إن المعركة شاخصة بمواقع الفريقين فيها، وشاهدة بالتدبير الربّاني الخفي من ورائها، ويد اللّه تكاد تري، وهي توقف هؤلاء هنا، وهؤلاء هناك، و القافلة من بعيد. والكلمات تكاد تشف عن تدبير اللّه في رؤيا الرسول صلي اللّه عليه وسلم وفي تقليل كل فريق في عين الفريق الآخر، وفي إغراء كل منهما بالآخر .. وما يملك إلا الأسلوب القرآني الفريد عرض المشاهد وما وراء المشاهد بهذه الحيوية، وبهذه الحركة المرثية، وفي مثل هذه المساحة الصغيرة من التعبير1!

هذه الآيات الكريمات توضح الأماكن في غزوة بدر، وصوّر لنا سبحانه وتعالي الحالة التي كان عليها الجيشان يوم اللقاء فقد كان المسلمون بجانب الوادي وحافته الأقرب إلي المدينة، وكانت أرضه رخوة تغوض فيها الاقدام، ولم يكن هناك ماء، وكان الكفار بالجانب الأخر من الوادي الأبعد عن المدينة وكانت أرضه ثابتة، وفيها ماء، وكان ركب العير الذي يقوده أبو سفيان"أسفل منكم"بالقرب من ساحل البحر2.

فقد ذكّر المولي عز وجل المؤمنين بنعمته عليهم فقال:

إذ أنتم بالعدوة الدّنيا،

أي اذكروا أيها المؤمنون وقت أن خرجتم من المدينة فسرتم حتي كنتم"بالعدوة الدّنيا"، أي بجانب الوادي وحافته الأقرب إلي المدينة المنورة."و هم بالعدوة القصوي"، أي الكفار بالجانب الأبعد الأقصي الذي هو بعيد بالنسبة للمدينة."و الرّكب أسفل منكم"، أي أن غير أبي سفيان ومن فيها كانت أسفل منكم من ناحية ساحل الأحمر علي بعد ثلاثة أميال منكم. ولم يكن كل من الجيشين يعلم بموقع صاحبه وإنما جمعهما اللّه هكذا علي جانبي الربوة لأمر يريده سبحانه 3.

وقوله تعالي:

ولو تواعدتّم لاختلفتم في الميعاد

بيان لتدبير اللّه الحكيم، وإرادته النافذة، أي ولو تواعدتم أنتم وهم علي التلاقي للقتال هناك لأختلفتم في الميعاد، لكراهتكم للحرب علي قلتكم وعدم إعدادكم شيئا من العدة لها، وانحصار همكم في أخذ العير، ولأن غرض الأكثرية من المشركين كان إنقاذ العير دون القتال أيضا، لأنهم كانوا يهابون قتال رسول اللّه ولا يأمنون نصر اللّه له، لأن كفر

(1) في ظلال القرآن، (3/ 1524) .

(2) حديث القرآن عن غزوات الرسول صلي اللّه عليه وسلم، (1/ 71) .

(3) في ظلال القرآن، (3/ 1524 - 1525) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت