أكثرهم به كان عنادا أو استكبارا لا اعتقادا ....
ولكن لّيقضي اللّه أمرا كان مفعولا،
أي ولكن تلاقيتم هنالك علي غير موعد ولا رغبة في القتال ليقضي اللّه أمرا كان ثابتا في علمه وحكمته أنه واقع لا بد منه وهو القتال المفضي إلي خزيهم ونصركم عليهم وإظهار دينه وصدق وعده لرسوله الكريم 1.
أما هذا الأمر المقتضي الذي دبّر اللّه الظروف لتحقيقه فهو الذي يقول عنه:
لّيهلك من هلك عن بيّنة ويحيي من حيّ عن بيّنة،
والهلاك يعبر به عن مدلوله المباشر، كما يعبر به عن الكفر. وكذلك الحياة فإنها قد تفيد مدلولها المباشر وقد يعبر بها عن الإيمان، وهذا المدلول الثاني أرجح، لأن يوم بدر - كما قال اللّه سبحانه - كان
يوم الفرقان
2و قد فرق اللّه فيه بين - الحق والباطل 3.و من ثم فإن من يكفر بعدها فإنما يكفر في غير شبهة - يكفر عن بينة فيهلك عن بينة - و من يؤمن بعدها فإنما يؤمن عن بينة واضحة تبرزها المعركة. وفي السياق ذاته يقول الآلوسي: أي ليموت من يموت عن حجة عاينها،
ويعيش من يعيش عن حجة شاهدها، فلا يبقي محل لتعليل بالأعداد، فإن وقعه بدر من الآيات الواضحة والحجج الغر المحجلة4.
إن الموقعة - بظروفها التي صاحبتها - تحمل بينة لا تجحد، وتدل دلالة لا تنكر علي تدبير وراء تدبير البشر، وعلي قوي وراءها غير قوة البشر. إنها تثبت أن لهذا الذين ربا يتولي أصحابه متي أخلصوا له وجاهدوا في سبيله وصبروا وثبتوا، وأنه كان الأمر إلي القوي المادية الظاهرة ما هزم المشركون ولا التصرت العصبة المسلمة هذا الانتصار العظيم.
ولقد قال المشركون أنفسهم لخليفتهم الذي أراد أن يمدهم بالرجال وهم ذاهبون للقتال: فلعمري"لئن كنا تقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم، ولئن كنا إنما نقاتل اللّه - كما يزعم محمد - فما لأحد باللّ?ه من طاقة".و لقد علموا - لو كان العلم يجدي - أنهم إنما يقاتلون اللّه كما قال لهم محمد الصادق الأمين، وأنه ما لأحد باللّ?ه من طاقة .. فإذا هلكوا بالكفر فإنما يهلكون عن بينة5.
والتعقيب علي ذلك الجانب من التدبير الإلهي في المعركة، وعلي غاية هذا التدبير التي تحققت فعلا هو قول الباري عز وجل:
وإنّ اللّه لسميع عليم.
.فهو - سبحانه - لا يخفي عليه شي ء مما يقول
(1) في ظلال القرآن، (3/ 1525) .
(2) سورة الأنفال/من الآية 41.
(3) في ظلال القرآن، (3/ 1525) .
(4) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، (10/ 7) .
(5) في ظلال القرآن، (3/ 2515) .