فريق الحق أو فريق الباطل، ولا شي ء مما يخفونه في صدورهم وراء الأقوال والأفعال، وهو يدبر ويقدر بإطلاعة علي الظواهر وعلمه بالسرائر، وهو السميع العليم 1.
وبعد هذا التعقيب الذي يتوسط استعراض، ويكشف التدبير الخفي اللطيف في قوله تعالي:
إذ يريكهم اللّه في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لّفشلتم ولتنازعتم في الأمر.
لقد كان من تدبير اللّه في المعركة أن يري رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم الكافرين في الرؤيا في منامه قليلا لا قوة لهم ولا وزن. فينبئ أصحابه برؤياه، فيستبشروا بها ويتشجعوا علي خوض المعركة .. ثم يخبر اللّه هنا لم أراهم لنبيه قليلا. فلقد علم - سبحانه - أنه لو أراهم له كثيرا، لفّتّ ذلك في قلوب القلة التي معه، وقد خرجت علي غير استعداد ولا توقع لقتال، ولضعفوا عن لقاء عدوهم، وتنازعوا فيما بينهم علي ملاقاتهم، فريق يري أن يقاتلهم وفريق يري تجنب الالتحام بهم، وهذا النزاع في هذا الظرف هو أبأس ما يصيب جيشا يواجه عدوا. لذلك كانت رحمة المولي عز وجل كبيرة وعظيمة بالمؤمنين إذ يقول سبحانه:
ولكنّ اللّه سلّم إنّه عليم بذات الصّدور.
.إذ أن اللّه تعالي كان يعلم بذوات الصدور، فلطف بالعصبة المسلمة أن يعرضها لما يعلمه من ضعفها في ذلك الموقف، فأري نبيه المشركين في رؤياه قليلا، ولم يرهم إياه كثيرا2.
وحينما التقي الجمعان وجها لوجه، تكررت الرؤيا النبوية الصادقة، في صورة عيانية من الجانبين، وكان هذا من التدبير الذي يذكرهم اللّه به عند استعراض المعركة وأحداثها وما وراءها. إذ يقول اللّه:
وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقلّلكم في أعينهم ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا
لقد كان في هذا التدبير الإلهي ما أغري الفريقين بخوض المعركة، والمؤمنون يرون أعدائهم قليلا، لأنهم يرونهم بعين الحقيقة .. وهي حقيقة قلة وزن المشركين في ساحة المعركة، وخواء قلوبهم من لإدراك الواسع، والإيمان الدافع، والزاد النافع علي الرغم من تعدادهم الكبير. أما المشركون فكانوا يرون المسلمين قلة - و هم يرونهم بعين الظاهر فقط - و من وراء هاتين الحقيقتين اللتين رأي كل فريق منهما صاحبه بها، تحققت غاية التدبير الإلهي، ووقع الأمر الذي جري به قضاؤه 4.
(1) المصدر السابق، (3/ 1526) .
(2) ينظر: المستفاد من قصص القرآن للدعوة والدعاة، (2/ 125) .
(3) في ظلال القرآن، (3/ 1527) .
(4) المصدر السابق.