الصفحة 147 من 378

قال عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه، قلت لرجل إلي جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلا منهم فقلنا له: كم كنتم؟ قال: ألفا. وفي المقابل قال قائل من المشركين في وصفه لجيش المسلمين: إنما هم أكلة جزور .. ووجه الحكمة واللطف بالمسلمين في تقليلهم في أعين المشركين هو أنهم إذا رأوهم قليلا أقدموا علي قتالهم غير خائفين ولا مبالين بهم، ولا آخذين الحذر منهم، فلا يقاتلون يجد واستعداد ويقظة، ثم إذا ما التحموا بالقتال فعلا تفاجئهم الكثرة فيبهثوا ويهابوا، وتكسر شوكتهم حين يرون ما لم يكن في حسابهم وتقديرهم، فيكون ذلك من أسباب خذلانهم وانتصار المسلمين عليهم 1.

وفي ختام هذه الآيات المباركات يقول اللّه عز وجل:

وإلي اللّه ترجع الأمور.

.و هو التعقيب المناسب لتحقق التدبير ووقوع القضاء، فهو أمر من الأمور التي مرجعها للّه وحده، يصرفها بسلطانه، ويوقعها بإرادته. وبالتالي لا ينفذ شي ء في الوجود كله إلا ما قضاء وأجري به قدره.

الموضع الخامس: قال تعالي في محكم التنزيل:

ولو تري إذ يتوفّي الّذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق*ذلك بما قدّمت أيديكم وأنّ اللّه ليس بظلاّم لّلعبيد

يقول تعالي: ولو عاينت يا محمد حال توفي الملائكة أرواح الكفار، لرأيت أمرا عظيما هائلا فظيعا منكرا، إذ

يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق.

قال ابن عباس: إذا أقبل المشركون بوجوههم إلي المسلمين ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولوا أدركتهم الملائكة يضربون أدبارهم، وقال مجاهد في قوله:

يضربون وجوههم وأدبارهم

يوم بدر، وقال سعيد بن جبير:

يضربون وجوههم وأدبارهم

قال: وأستاههم، ولكنّ اللّه يكني؛ والسياق وإن كان سببه وقعة بدر، ولكنه عام في حق كل كافر، ولهذا قال تعالي:

ولو تري إذ الظّالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم

ولو تري إذ يتوفي الّذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم.

وقال تعالي:

ولو تري إذ الظّالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم

3.أي باسطوا أيديهم بالضرب فيهم بأمر ربهم إذا استصعبت أنفسهم، وامتنعت من الخروج من الأجساد أن تخرج قهرا، وذلك بشروهم بالعذاب والغضب من اللّه، كما جاء في حديث البراء:"أن ملك الموت"

(1) ينظر: الكشاف، (2/ 225) .

(2) سورة الأنفال/الآيتان 50 - 51 ... للتوسع في تفسير هاتين الآيتين راجع: في ظلال القرآن، (3/ 1533 - 1534) ، مختصر تفسير القرطبي، (2/ 287) ، مختصر تفسير ابن كثير، (2/ 112 - 113) .

(3) سورة الأنعام/من الآية 93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت