إذا جاء الكافر عند احتضاره في تلك الصورة المنكرة يقول"اخرجي أيتها النفس الخبيثة إلي سموم وحميم وظل من يحموم، فتتفرق في بدنه، فيستخرجونها من جسده كما يخرج السفود1من الصفوف المبلول، فتخرج معها العروق والعصب - و لهذا أخبر تعالي أن الملائكة تقول لهم:"
ذوقوا عذاب الحريق
ذوقوا عذاب الحريق"، و قوله تعالي:"
ذلك بما قدّمت أيديكم
أي هذا الجزاء بسبب ما عملتم من الأعمال السيئة في حياتكم الدنيا، جازاكم اللّه بها هذا الجزاء،
وأنّ اللّه ليس بظلاّم لّلعبيد:
أي لا يظلم أحدا من خلقه، بل هو الحكم العدل الذي لا يجور، تبارك وتقدس الغني الحميد، ولهذا جاء في الحديث القدسي الصحيح: «يا عبادي إني حرّمت الظلم علي نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ... يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إيّاها، فمن وجد خيرا فليحمد اللّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه» 32.
الموضع السادس: قال تعالي في محكم التنزيل:
يا أيها النّبي حسبك اللّه ومن اتّبعك من المؤمنين *يا أيها النّبيّ حرّض المؤمنين علي القتال إن يكن مّنكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مّائة يغلبوا ألفا من الّذين كفروا بأنّهم قوم لاّ يفقهون*الآن خفّف اللّه عنكم وعلم أنّ فيكم ضعفا فإن يكن مّنكم مّائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن مّنكم ألف يغلبوا ألفين بإذن اللّه واللّه مع الصّابرين
يحرض تعالي نبيه صلي اللّه عليه وسلم والمؤمنين علي القتال، ومناجزة الأعداء، ومبارزة الأقران، ويخبرهم أنه حسبهم: أي كافيهم ومؤيدهم علي عدوهم، وإن كثرت أعدادهم وترادفت أمدادهم، ولو قل عدد المؤمنين. قال ابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله:
يا أيّها النّبيّ حسبك اللّه ومن اتّبعك من المؤمنين
قال: حسبك اللّه وحسب من شهد معك، و لهذا قال:
يا أيّها النّبيّ حرّض المؤمنين علي القتال
أي حشهم عليه، ولهذا كان رسول اللّه يحرض علي القتال عند صفهم ومواجهة العدو، كما قال لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون في عددهم وعددهم: (قوموا إلي جنة عرضها السماوات
(1) السفود والسفود، بالتشديد حديدة ذات شعب معقفة يشوي به اللحم، وجمعه سفافيد. ينظر: لسان العرب، (4/ 596) .
(2) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - باب تحريم الظلم، الجزء 10، ص:8 وما بعدها هامش القسطلاني. ينظر: الأحاديث القدسية، لجنة من العلماء، ص:175 - 176.
(3) ينظر في تفسير الآيتين: مختصر تفسير ابن كثير، (2/ 112 - 113) .
(4) سورة الأنفال/الآيات 64 - 66 ... للتوسع في تفسير هذه الآيات راجع: في ظلال القرآن، (3/ 1549 - 1550) ، مختصر تفسير القرطبي، (2/ 292) ، مختصر تفسير ابن كثير، (2/ 116 - 117) .