ينفلكموها"1.فانتدب الناس، فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم يلقي حربا2."
وكان خروج النبي صلي اللّه عليه وسلم من المدينة في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان المبارك من السنة الثانية للهجرة، ومن المؤكد أنه حين خروجه صلي اللّه عليه وسلم من المدينة لم يكن في نيته قتال وإنما كان قصده عير قريش، وكانت الحالة بين المسلمين وكفار مكة حالة حرب، وفي حالة الحرب تكون أموال العدو ودماؤهم مباحة، فكيف إذا علمنا أن جزءا من هذه الأموال الموجودة في القوافل القرشية كانت للمهاجرين من أهل مكة قد استولي عليها المشركون ظلما وعدوانا3.
2 -مشاورة النبي صلي اللّه عليه وسلم لأصحابه في أمر الخروج إلي الحرب 4:
خرج الرسول صلي اللّه عليه وسلم من المدينة قاصدا قافلة قريش، وسار بالمسلمين حتي بلغوا وادي ذفران وهو واد قريب من الصفراء5فنزل المسلمون بهذا الوادي. وجاءهم الخبر بخروج قريش للذود عن القافلة التي كان فيها كل أموالهم فليس هناك بيت في مكة إلا وله مال وتجارة في هذه العير.
تغيرالموقف ... فبعد أن كان الناس قد خرجوا لملاقاة العير وليس فيها سوي ثلاثين أو أربعين رجلا علي أكثر التقديرات صار الأمر احتمالا لملاقاة جيش كبير، كثير العدد، مكتمل العدة. فها هي ذي قريش خرجت عن بكرة أبيها تدافع عن ثروتها وحياتها، فتجارة الشام وطريق القوافل وأمنها أهم من كل شي ء عند القرشيين.
لم يكن الموقف مفاجئا عند النبي صلي اللّه عليه وسلم، فقد وعده اللّه إحدي الطائفتين ... والعير أو النفير. فاحتمال الحرب قائم عنده صلي اللّه عليه وسلم. ولا شك أنه موقن بنصر اللّه إن كانت العير أو النفير. ولكنه لا بد أن يضع المثل والقدرة للمسلمين وأئمتهم وحكامهم. فهذا موقف جديد يجب أن يقدم الناس عليه راضين مطمئنين إلي نصر اللّه وهم مستعدون عن طيب خاطر لبذل المهج والأرواح في نصر الدين وإعلاء كلمة اللّه عز وجل.
جمع رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم أصحابه وعرض عليهم الموقف الجديد وطلب أن يسمع رأيهم فيه حتي يستوثق من استعدادهم لملاقاة عدوهم في معركة حاسمة ستغير وجة التاريخ لا في الجزيرة العربية وحدها فحسب
(1) دلائل النبوة، (3/ 32) ، و عيون الأثر، (1/ 242) .
(2) بدر الكبري: المدينة والغزوة، ص:95.
(3) حديث القرآن عن غزوات الرسول صلي اللّه عليه وسلم، (1/ 43) .
(4) بدر الكبري: المدينة والغزوة، ص:101 - 102.
(5) الصفراء: واد من ناحية المدينة كثير الخيرات. للتفاصيل ينظر: معجم البلدان، (5/ 367) .