إن هذه المشاركة ينبغي أن تحفّز القادة العسكرين في العصر الحاضر - الساعين إلي التأسي بالنبي صلي اللّه عليه وسلم - علي التقدم مع جنودهم عند قتال العدو في ساحة المعركة، وتجنب البقاء في الخطوط الخليفة للجيش، لما لذلك من انعكاسات سلبية علي نفسيات المحاربين، ومن ثم علي مجريات المعركة برمّتها ونتائجها.
14 -بقاء الرسول صلي اللّه عليه وسلم وجيشه بعد الانتصار ثلاثة أيام في أرض المعركة:
انتهت معركة بدر بانتصار المسلمين علي المشركين، وكان قد قتل من المشركين سبعون رجلا، وأسر منهم سبعون، وكان أكثرهم من قادة قريش وزعمائهم، واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا، منهم سنة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار. ولّما تم الفتح وانهزم المشركون، أرسل صلي اللّه عليه وسلم عبد اللّه بن رواحة، وزيد بن حارثة، ليبشروا المسلمين في المدينة بنصر اللّه للمسلمين وهزيمة المشركين 1.
ومكث صلي اللّه عليه وسلم في بدر ثلاثة أيام، فعن أنس رضي اللّه عنه قال:"أنه صلي اللّه عليه وسلم كان إذا ظهر علي قوم أقام بالعرصة2ثلاث ليال"3.و هذا ما يؤكد بأنه علي القائد العسكري أن يلازم أرض المعركة بعد تحقيق النصر بغية التثبت من القضاء علي فلول العدو بشكل تام وكامل، وبغية تصفية جميع الأمور والمتعلقات الأخري المتمثلة بدفن الشهداء وتوزيع الغنائم وما إلي ذلك.
15 -وفاء الرسول القائد صلي اللّه عليه وسلم حتي مع المشركين:
قال رسول اللّه في أساري بدر: «لو كان مطعم بن عدي حيّا، ثم كلمني في هؤلاء النتني 4 لأطلقتهم له» 5.
وهذا الحديث تعبير عن الوفاء والاعتراف بالجميل، فقد كان لمطعم مواقف تذكر بخير، فهو الذي دخل الرسول صلي اللّه عليه وسلم في جواره حينما عاد من الطائف، كما كان من أشد القائمين علي نقض الصحيفة يوم حرصو المسلمون وبنو هاشم 6.و هذا يدل علي قمة الوفاء لمواقف الرجال حتي وإن كانوا مشركين.
(1) المستفاد من قصص القرآن للدعوة والدعاة، (2/ 133) .
(2) العرصة: يراد بها ساحة المعركة. وهي كل موضع واسع لا بناء فيه. ينظر: لسان العرب، (6/ 177) .
(3) صحيح السيرة النبوية، ص:250.
(4) النتني: جمع نتن، وهو من أصبحت رائحته كريهة أو خبيثة. ينظر: لسان العرب، (8/ 448) .
(5) سنن أبي داود، باب المن علي الأسير، الحديث رقم 2689، و إسناده صحيح.
(6) من معين السيرة، صالح أحمد الشامي، ص:208.