16 -إظهار القوة في التعامل مع المجرمين:
وإذا كان هذا الوفاء لرجل مثل المطعم بن عدي، فلا بد من الحزم مع مجرمي الحرب، ورؤوس الفتنة، أمثال عقبة بن أبي معيظ، والنضر بن الحارث. إذ كانا من أكبر دعاة الحرب ضد الإسلام، ويتربصون بالمسلمين الدوائر مما حمل رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم علي أن يأمر بقتلهما، وذلك في طريق عودته إلي المدينة1.
أما النضر بن الحارث فقد كان يطعن في كتاب اللّه سبحانه وتعالي، ويشتم رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم، ويصرف الناس عنه، فكلما تلا الرسول صلي اللّه عليه وسلم القرآن علي الناس، جلس بعده ليقص عليهم قصصا تعلمها من فارس كي يصرف الناس عن الاستماع إلي رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم والاستجابة له. وأما عقبة بن أبي معيط فقد قال رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم لأصحابه رضي اللّه عنهم: «أتدرون ما صنع هذا بي؟» ... قال صلي اللّه عليه وسلم: «جاء وأنا ساجد خلف المقام فوضع رجله علي عنقي وغمزها، فما رفعها حتي ظننت أن عيني ستندران 2، وجاء مرة أخري بسلا شاة فألقاه علي رأسي وأنا ساجد، فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي» 3.
17 -معالجة موضوع الأسري جانب من المنهج النبوي القيادي الحكيم 4:
ولنا أن نتناول موضوع الأسري من زاويتين:
الزاوية الأولي: وتتعلق بكيفية تعامل المسلمين مع أسري المشركين:
لما رجع الرسول صلي اللّه عليه وسلم إلي المدينة فرّق الأسري بين أصحابه، وأوصافهم بوجوب معاملتهم معاملة حسنة، وبهذه التوصيفة النبوية الكريمة ظهر تحقيق قول اللّه تعالي:
ويطعمون الطّعام علي حبّه مسكينا ويتيما وأسيرا
5.فهذا أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير يحدثنا عما رأي قال: كنت في الأسري يوم بدر، فقال رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم: «استوصوا بالأسري خيرا» ، و كنت في نفر من الأنصار فكانواإذا قدّموا غداءهم وعشاءهم أكلوا التمر وأطعموني البرّ لوصية رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم 6.
(1) من معارك الإسلام الفاصلة: غزوة الكبري، محمد أحمد باشميل، ص:162.
(2) سنتدران: ستسقطان. وندر تأتي بمعني سقط. ويقال: أندر من الحساب كذا وكذا، ضرب يده بالسيف فأندرها. ينظر: لسان العرب، (8/ 502) .ينظر الخبر في: السيرة النبوية لابن كثير، (2/ 435 - 436) .
(3) السيرة النبوية لابن كثير، (2/ 473) .
(4) للتوسع في كيفية معالجة موضوع الأسري ... ينظر: غزوات خلّد القرآن الكريم ذكرها، محمد عبد السلام أبو النيل، ص:66 - 78.
(5) سورة الإنسان/الآية 8.
(6) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، الهيثمي، (6/ 86) .