الصفحة 166 من 378

وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم: «أبكي للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء. لقد عرض عليّ عذابهم أدني من هذه الشجرة» (شجرة قريبة من نبي اللّه صلي اللّه عليه وسلم) 1.

نلاحظ مما سبق تأكيد الإسلام من جديد أهمية الشوري بين المسلمين، وأنها مبدأ عمل قيادي رئيس لم يهمله الرسول صلي اللّه عليه وسلم في جميع الأمور التي لا وحي فيها. كما تؤكد هذه الواقعة جواز الاجتهاد من الرسول صلي اللّه عليه وسلم، وهو في الوقت ذاته لا يقرّ علي خطأ، فإن سكت عن اجتهاده كان وحيا، وإن كان خطأ نبه إليه الشارع الحكيم كما جاء في تصحيح اجتهاد النبي صلي اللّه عليه وسلم في الأسري في بدر وقد عاتبه اللّه علي ذلك، و قرر إن الإثخان في القتل أولي من الفدية. وسوف نتوسع في الدروس والعبر المستفادة من هذه الواقعة في القسم الثاني من المبحث الرابع بعونه تعالي.

18 -الرسول القائد صلي اللّه عليه وسلم بين الرحمة والحزم النبوي:

يصور هذا الموقف أحد أسري المشركين وهو أبو عزة بن عبد اللّه الجمحي، وهو يقول لرسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم: يا رسول اللّه لقد عرفت مالي من مال، وإني لذو حاجة وذو عيال فامنن علي، فمنّ عليه رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم وأخذ عليه أن لا يظاهر عليه أحدا، فقال أبو عزة أبيات من الشعر يمدح رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم فيها. قال ابن كثير: ثم إن أبا عزة هذا نقض ما كان عاهد الرسول صلي اللّه عليه وسلم عليه، وأثّر المشركون عليه فرجع إليهم، فلمّا كان يوم أحد أسرا أيضا، فسأل من النبي صلي اللّه عليه وسلم أن يمن عليه أيضا فقال النبي صلي اللّه عليه وسلم: «لا أدعك تمسح عارضيك، و تقول خدعت محمدا مرتين» ثم أمر فضربت عنقه 2.

19 -النظرة الاستراتيجية للرسول القائد صلي اللّه عليه وسلم:

تتضح النظرة الاستراتيجية للنبي صلي اللّه عليه وسلم في كيفية تعامله مع سهيل بن عمرو الذي كان معروفا في خطبه ضد الإسلام. عن ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن عمرو، أن عمرو، أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، قال لرسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم، بحق سهيل بن عمرو الذي كان قد وقع أسيرا بيد المسلمين في غزوة بدر ... قال: دعني أنزع ثنية سهيل بن عمرو،

ويدلع لسانه 3فلا يقوم عليك خطيبا في موطن آخر. فقال رسول اللّه

(1) أخرجه مسلم في صحيحة بشرح النووي، الحديث رقم 1763، (6/ 328 - 329) .

(2) محمد رسول اللّه، محمد الصادق عرجون، (3/ 474) .

(3) يدلع لسانه: يخرجه. قيل: دلع الرجل لسانه، يدلعه دلعا فاندلع. وأدلعه: أخرجه. واندلع خرج من الفم واسترخي. ينظر: لسان العرب، (3/ 395) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت