وكان الصف الإسلامي يضم شعراء متخصصين أمثال كعب بن مالك، و عبد اللّه بن رواحة، علما أن أشدهم تأثيرا علي الكفار كان حسان بن ثابت 1.
في هذا المقام يمكن القول: إن الجانب الإعلامي كان له دور بالغ الأهمية في تشجيع المقاتلين المسلمين علي الاستبسال في ساحة المعركة، ومن جهة أخري كان له أثر مهم في بث الرعب في نفوس المشركين الذين كانوا مرعوبين ومهزومين نفسيا ومعنويا - بشكل مسبق - من المسلمين لعدة أسباب منها رؤيا عاتكة بن عبد المطلب، ورؤيا جهيم بن الصلت، وتقرير عمير بن وهب. وكل هذه الأمور يمكن إدراجها تحت ما يسمي في الوقت الحاضر «الحرب النفسية» .
إن الحرب النفسية تعد سلاحا فتاكا ضد العدو لا تقل فاعليته عن الأسلحة التقليدية، مع الأخذ بعين الأعتبار أن هدف الحرب النفسية دائما هو عقل الإنسان وقلبه ونفسه، وليس جسده. أي أنها تتجه نحو معنوياته، لا ممتلكاته، أو عتاده، حيث أن ميدانها هو الشخصية2.
أما رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب ... فقد روي ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس وعروة ابن الزبير قالا: وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها، فبعثت إلي أخيها العباس بن عبد المطلب، فقالت له: يا أخي، واللّه لقد رأيت الليلة رؤيا لقد أفظعتني 3 وتخوفت أن يدخل علي قومك منها شر ومصيبة، فاكتم عني ما أحدثك به، قال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل علي بعير له حتي وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلي صوته: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، فأري الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله مثل به 4بعيره علي ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، ثم مثل به بعيره علي رأس أبي قبيس، فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوي حتي إذا كانت بأسفل الجبل أرفضت 5فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة6، قال العباس:
(1) السيرة النبوية: عرض وقائع وتحليل أحداث، (2/ 99) .
(2) الحرب النفسية ضد الإسلام في عهد الرسول صلي اللّه عليه وسلم في مكة، عبد الوهاب كحيل، ص:10.و للتوسع في مفهوم الحرب النفسية وتفصيلاتها وجزئياتها، ينظر: الحرب النفسية في الوطن العربي، حامد ربيع. الحرب النفسية بيننا وبين العدو الإسرائيلي، أحمد نوفل والحرب النفسية، صلاح نصر.
(3) أفظعتني: أخافتني. فظع الأمر فهو فظيع. وأفظع الأمر: اشتد وشنع وجاوز المقدار. ينظر: لسان العرب، (7/ 130) .
(4) مثل به: قام منتصبا. ومثل بين يديه مثولا أي انتصب قائما. ينظر: لسان العرب، (8/ 202) .
(5) أرفضت: تفرقت وتبددت. يقال: أرفض الدمع إرفاضا، وترفّض: سال وتفرّق وتتابع سيلانه وقطرانه. ينظر: لسان العرب، (6/ 196) .
(6) فلقة: القطعة أو الكسرة من الجفنة أو من الخبز. ينظر لسان العرب، (7/ 160) .