واللّه إن هذه لرؤيا، وأنت فاكتميها ولا تذكريها لأحد. ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكان له صديقا فذكرها له، واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث بمكة، حتي تحدثت به قريش في أنديتها1.
وفيما يتعلق برؤيا جهيم بن الصلت ... قال ابن إسحاق: ... وأقبلت قريش، فلما نزلوا الجحفة، رأي جهيم بن الصلت بن مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف رؤيا، فقال: إني رأيت فيما يري النائم، وإني لبين النائم واليقظان إذ نظرت إلي رجل قد أقبل علي فرس حتي وقف ومعه بعير له، ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم من هشام، وأمية بن خلف، وفلان، وفلان، فعدد رجالا ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش ثم رأيته ضرب في لبّة2بعيره، ثم أرسله في العسكر، فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح 3من دمه، قال: فبلغت أبا جهل، فقال: وهذا أيضا نبي آخر من بني عبد المطلب، سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا4.
وبالنسبة إلي تقرير عمير بن وهب المتعلق بتقدير عدد المسلمين وعدتهم ... قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم، عن أشياخ من الأنصار قالوا: لّما اطمأن القوم (المشركون) بعثوا عمير بن وهب الجمحي، فقالوا: احزر لنا أصحاب محمد. قال: فاستجال بفرسه حول العسكر، ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمائة رجل، يزيدون قليلا أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتي أنظر أللقوم كمين أو مدد، قال: فضرب في الوادي حتي أبعد، فلم ير شيئا، فرجع إليهم، فقال: ما وجدت شيئا5، و لكني قد رأيت يا معشر قريش البلايا6تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع 7، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، واللّه ما أري أن يقتل رجل منهم حتي يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيكم 8.
(1) السيرة النبوية لابن هشام، (2/ 244) .
(2) لبّة: اللبة: موضع القلادة من الصدر. ينظر: لسان العرب، (8/ 16) .
(3) نضح: النضح: الرّش. تضح عليه الماء ينضحه نضحا إذا ضربه بشي ء فأصابه منه رشاش. ينظر: لسان العرب، (8/ 586) .
(4) السيرة النبوية لابن هشام، (2/ 257) .و ورد الخبر أيضا في: دلائل النبوة، (3/ 32، 105) ، و عيون الأثر، (1/ 250) .
(5) الخبر إلي هنا في دلائل النبوة، (3/ 112) وفيه زيادة:"و إنما هم أكلة جزور طعام مأكول".
(6) البلايا: جمع بليّة، وهي الناقة أو الدابة التي كانت تعقل في الجاهلية، تشد عند قبر صاحبها لا تعلف ولا تسقي حتي تموت، كانوا يقولون إن صاحبها يحشر عليها. ينظر: لسان العرب، (1/ 511) .
(7) الموت الناقع: الدائم. ويقال: سم ناقع أي بالغ قاتل، وقد نقعه أي قتله. ينظر: لسان العرب، (8/ 679) .
(8) السيرة البنوية لابن هشام، (2/ 261) .و ورد الخبر أيضا في: دلائل النبوة، (3/ 64) ، عيون الأثر، (1/ 253) .