تأسيسا علي ما سبق عرضه يمكن القول بأن عاتكة، ورؤيا جهيم بن الصلت، وتقرير عمير بن وهب، كانت لها آثارها الكبيرة في زعزعة صفوف المشركين، وفي النيل من روحهم المعنوية، فدخلوا المعركة وكانوا قد انهزموا داخليا، الأمر الذي كان له بالغ الأثر في تحقق هزيمتهم علي يد المسلمين بقيادة الرسول الكريم صلي اللّه عليه وسلم.
10 -تتمثل حكمة الرسول صلي اللّه عليه وسلم بالبقاء بعد الانتصار ثلاثة أيام في أرض المعركة، بما يأتي 1:
*تصفية المواقف بالقضاء علي أية حركة يائسة من المشركين يحتمل أن تقوم بها فلول المنهزمين الفارّين هربا إلي الجبال.
*دفن من استشهد من جند اللّه مما لا تخلو منه معركة، فقد دفن شهداء المسلمين في أرض المعركة، ولم يدفن أحد منهم خارج بدر.
*جمع الغنائم وحفظها، وإسناد أمرها إلي من يقوم بهذا الحفظ حتي تؤدي كاملة إلي مستحقيها، وقد أسندت أنفال وغنائم بدر إلي عبد اللّه بن كعب الأنصاري.
*إعطاء الجيش الظافر فرصة يستريح فيها، بعد الجهد النفسي والبدني المضني الذي بذله أفراده في ميدان المعركة، ويضمد فيها جراح مجروحيه، ويذكر نعم اللّه عليه فيما أفاء اللّه عليه من النصر المؤزر الذي لم يكن داني القطوف، سهل المنال. ويتذاكر أفراده وجماعاته ما كان من أحداث ومفاجآت في الموقعة، مما كان له أثر فعّال في استجلاب النصر، وما كان من فلان في شجاعته، وفدائيته، وجرأته علي اقتحام المضائق وتفريج الأزمات، والتدبير المحكم الذي أخذ به العدو، وما في ذلك من عبر. واستذكار أوامر القيادة العليا وموقفها في رسم الخطط، ومشاركتها الفعلية في تنفيذها، ليكون من كل ذلك ضياء يمشون في نوره في وقائعهم المستقبلة، ويجعلون منه دعائم لحياتهم في الجهاد الصبور المظفر بالنصر المبين.
*مواراة قتلي الأعداء الذين انفرجت المعركة عن قتلهم، والتعرف إليهم، وعلي مكانتهم في حشودهم، وعلي من بقي منهم حيا مثخنا بجراحه لم يدركه الموت، للإجهاز علي من تري قيادة جيش
(1) السيرة النبوية: عرض وقائع وتحليل أحداث، (2/ 42) .