الصفحة 191 من 378

11 -يستفاد من أحداث قضية أسري بدر الكثير من الأمور نذكر منها ما يأتي 1:

*جواز الاجتهاد من الرسول صلي اللّه عليه وسلم، وهو في الوقت ذاته لا يقر علي خطأ، فإن سكت عن اجتهاده كان وحيا، وإن كان خطأ نبه إليه الشارع الحكيم كما جاء في تصحيح اجتهاد النبي صلي اللّه عليه وسلم في الأسري في بدر وقد عاتبه اللّه عز وجل علي ذلك، و قرر أنّ الإثخان في القتل أولي من الأسر.

والسؤال المهم الذي يبرز هنا هو: إن اللّه سبحانه وتعالي يعلم أن اجتهاد النبي صلي اللّه عليه وسلم خطأ، فلماذا ترك نبيه ورسوله صلي اللّه عليه وسلم ومعه صحابته رضي اللّه عنهم يخطئون، وقد كان وحده هو الذي يعلم الصواب؟

إنّ ترك محمد صلي اللّه عليه وسلم، وهو الذي يوحي إليه، ثم هو في ذاته أعقل الرجال - إذ كانوا قبل البعثة يهتدون برأيه - يخطئ في رأيه، ثم ينبه إلي الصواب، فيه عبرتان لأولي الأبصار. أو لاهما: أنه لا يصح لأحد أن يغتر برأيه، فيحسبه الصواب الذي لا يقبل الخطأ، ويعتقد في نفسه العلم، وفي غيره الجهل. وثانيهما: أنه ليس لأحد أن يستبد في تفكيرة الذي يعمل فيه للجماعة، فلا يقول ما قال فرعون:

ما أريكم إلاّ ما أري وما أهديكم إلاّ سبيل الرّشاد

*حرض النبي صلي اللّه عليه وسلم علي أن يشرك غيره في الرأي والمشورة، وعدم الانفراد برأيه في الأمور العامة التي تهم الأمة. ورغبته في الأخذ برأي الأكثرية.

*قد يجتهد المجتهدون، ويختلف المختلفون، ومبعث هذا الاختلاف ليس التشهي والهوي، وإنما توخي الحق وتحقيق المصلحة العامة للمسلمين، وما نزل الدين إلا لتحقيق مصالح العباد. وعند ما يجتهد المرء اجتهادا معينا، ويظنه اجتهادا صالحا يحقق المصلحة العامة، ثم يظهر له خلاف ذلك، فينبغي ألا يصر علي هذا الاجتهاد وقد عرف حقيقته، بل عليه أن يعلن حقيقة الأمر، ويندم علي ما بدر منه من تصرفات قولية أو فعلية، وأن ينبه الناس إلي ذلك. و هذا ما وجدناه من النبي صلي اللّه عليه وسلم حين علم أن موقفه كان خاطئا في الأسر وأخذ الفداء في الأسري قبل أن يثخن في القتال. فندم وبكي، وبكي معه أبو بكر رضي اللّه عنه أيضا.

*هناك حكمة بالغة في تقدير الإسلام الإثخان في القتل أثناء القتال، وعدم مفاداة الأسري إلا بعد إنهاك قوي العدو، ذلك لأن الإثخان يكسر شوكة العدو، ويرغمه علي الاستسلام. فالإثخان وسيلة

(1) للتوسع في الدروس المستفادة من قضية الأسري في بدر راجع: في ظلال السيرة النبوية: غزوة بدر الكبري، ص:92 - 101.

(2) سورة غافر، من الآية 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت