إن بعض الفقهاء رغم اشتغالهم بالقضاء، وندرة الوقت الناتج عن اهتمامهم بحلّ مشاكل الناس، لم يحيدوا عن تدريس الفقه المالكي 1. وكانت عملية التدريس تركز علي مجموعة من الكتب المالكية التي يأتي في طليعتها كتابان: أولهما كتاب المدونة الذي غدا حجر الزاوية في المناهج الدراسية كما تؤكد ذلك مصادرنا، إذ كان المدرسون يركّزون عليه كمادة أساسية لتدريس الفقه المالكي، حتي إنه اقترن أحيانا بتراجم بعض الأعلام المالكيين، نذكر من بينهم علي سبيل المثال محمد بن عبد اللّه الخشني (ت سنة 540 هـ) الذي كان «مبرّزا في تدريسه، قائما علي المدونة» 2.أما الكتاب الثاني الذي شكّل أيضا عصب المناهج الدراسية فهو كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس، وكان يحظي باهتمام الشيوخ الذين جعلوه في مكانة سامية، وحببوه لطلبتهم 3حتي إن القاضي عياضا - أحد علماء الفترة موضوع الدراسة - أنشد مادحا إياه بهذا البيت:
إذا ذكرت كتب العلوم فخيرها…كتاب الموطا من تعاليم مالك 4
من حصيلة ما تقدم، يتضح أن تدريس المذهب المالكي شكّل أداة مهمة لنشره في أوساط مجتمع المغرب والأندلس عن طريق جعل بعض المصنفات المالكية مواد إجبارية، وهو ما تشهد عليه كثرة العلماء المالكيين الذين منحوا إجازات علمية بعد سماعهم تلك الكتب. ولا شك أن هذه الكثرة مؤشر في حد ذاته عمّا نجم عن تدريس الفقه المالكي من انتشار في تلك الأوساط، الأمر الذي تؤكده كتب السير والتراجم التي أوردت أسماء جمّ
(1) التكملة لكتاب الصلة، لابن الأبار، ج 1، ص 493.
(2) نفس المصدر، ص 447.و يورد تراجم كثيرة حول أهمية تدريس الموطأ، انظر: ص 150 - 274 - 420 - ثم ج 2 ص 469 - 482 - 485 - 561 - 754 - 826 - 827.
(3) أورد القاضي عياض علي لسان ابن مهدي قوله: «لا أعلم من علم الناس بعد القرآن أصح من موطأ مالك» ، انظر: ترتيب المدارك، للقاضي عياض، ج 2، ص 70.
(4) المصدر نفسه، ج 7، ص 78.