بيد أن كتاب «العواصم من القواصم» السالف الذكر يعدّ أكثر الكتب التي اتخذت المنحي الهجومي ضد المذاهب والتيارات المخالفة للمذهب المالكي، خاصة أهل الظاهر وزعيمهم ابن حزم الذي كان خصما عنيدا لفقهاء المالكية، حتي إن المؤرخ عبد الواحد المراكشي اعتبر أن ما حقّقه من شهرة جاء نتيجة «لمخالفته مذهب مالك بالمغرب» 1.
ففي سياق المساجلات التي يتضمنها هذا الكتاب، يذكر مؤلفه أبو بكر بن العربي ما يلي: «فلما عدت - إلي الأندلس قادما من المشرق - وجدت القول بالظاهر قد ملأ المغرب بسخيف كان من بادية إشبيلية يعرف بابن حزم ... زعم أنه إمام الأمة، يضع ويرفع، ويحكم ويشرع، وينسب إلي دين اللّه ما ليس فيه، ويقول علي العلماء ما لم يقولوا، تنفيرا للقلوب عنهم وتشنيعا عليهم، وخرج عن طريق الشبهة في ذات اللّه وصفاته، فجاء بطوامّ قد بيّنتها في رسالة الغرّة» 2.
والمتأمل في كلام أبي بكر بن العربي، لا يجد عناء في إثبات الصيغة الهجومية التي اتسم بها خطابه، وهي الصيغة التي تعكسها بعض المصطلحات أو المعاني القدحية التي وظفها للتصدي لابن حزم ومدرسته الظاهرية، ووضع صاحبها في فقص الاتهام مثل نعته بالسخافة، وأنه من أهل البادية، ووصف أقواله بالمزاعم والادعاءات، والتدليس وتزوير حقائق الأمور، والتقوّل علي علماء السنّة، والخروج عن طريق الشبهة، ناهيك عن وصف فكره بالطامة الكبري وأم الدواهي.
ومن الأكيد أن كتاب «العواصم من القواصم» لم يكن الكتاب الوحيد الذي تصدي فيه العالم المالكي أبو بكر بن العربي للمذهب الظاهري وفضح عوراته، بل ثمة كتب أخري سار فيها علي نفس النهج، مثل كتاب «الغرة في الرد علي كتاب الدرة» ، و كتاب «النواهي عن الدواهي» الذي لخّصه وأدمجه في «العواصم من القواصم» .و من خلال
(1) المعجب، ص 76 - 77.
(2) العواصم من القواصم، ص 249.