نفس المنحي، ألف القاضي ابن حمدين قاضي قرطبة في زمن المرابطين كتابا في الردّ علي حجّة الإسلام أيضا1.و يذكر ياقوت الحموي أن الفقيه الأندلسي أبا حفص محمد بن ابراهيم البكري (ت 505 هـ) كان مولعا بالرد علي أبي حامد الغزالي ونقض كلامه 2.
وقد بلغ المنحي الهجومي ذروته بتحريض بعض الفقهاء المالكيين علي مصادرة وإحراق كتب المخالفين للمذهب المالكي، ونسوق بهذا الخصوص نموذج كتاب «إحياء علوم الدين» السالف الذكر، إذ طعن فيه بعض علماء المذهب المالكي، واعتبروه - بسبب التيار التصوفي الذي يختزنه - خروجا عن السنّة، بل كفروا كل من قرأ هذا الكتاب. وقد تزعم هذا التجاه فقهاء قرطبة الذين أفلحوا في إقناع الأمير المرابطي علي بن يوسف بحرقه، فأمر بذلك «فأجرق في رحبة مسجدها علي الباب الغربي علي هيئته بجلوده بعد إشباعه زيتا» 3.كما تم إحراقه بمدينة مراكش في رحبة الباب الغربي من المسجد الجامع 4. وبعد الحرق في العاصمة المرابطية، صدرت الأوامر بإحراقه في جميع الولايات، وتوالت هذه العملية مدة سنة كاملة5.
وتجمع المصادر أن الفقهاء المالكيين بالأندلس علي الخصوص، وفي مقدمتهم ابن حمدين كانوا وراء هذا الحدث الذي اعتبروه"حربا استباقية"، إذا جاز استعمال هذا التعبير، لأن التيار الصوفي كان قد بدأ في اكتساح مجتمع الغرب الإسلامي، ولذلك أقنعوا الأمير المرابطي تاشفين بن علي (537 - 539 هـ) باعتبار الكتاب المذكور بدعة
(1) فهرسة ابن عطية، لابن عطية، ص 185 - خريدة القصر وجريدة العصر، للأصفهاني، ق 4، ج 2، ص 221.
(2) معجم البلدان، لياقوت الحموي، ج 3، مادة: سفاقس، ص 223 - 224.
(3) نظم الجمان، لابن القطان، ص 14 - 15، المعيار المعرب، للونشريسي، ج 12، ص 185 - البيان المغرب، لابن عذاري، ج 4، ص 159.
(4) كتاب في تراجم الأولياء لمؤلف مجهول، (مخ) ، ص 206.
(5) نظم الجمان، لابن القطان، ص 15 - 16، البيان المغرب، لابن عذاري، ج 4، ص 59.