الصفحة 236 من 378

في هذه الرواية أنها لا تصوّر أبا عمران الفاسي رجلا غريبا عن يحيي بن إبراهيم والوفد الذي صاحبه إلي الحج، إذ تؤكد أنهم قصدوه للتبرك به لما حازه من سمعة طيبة اكتسبها من مواقفه في مقاومة الظلم، حتي صارت الرعية تحترمه وتجعله في مرتبة الأولياء. ويكشف النص أيضا أن هذا اللقاء أسفر عن مخطط بين أبي عمران الفاسي ويحيي بن إبراهيم يقضي بمقاومة الدويلات الزناتية في المغرب، واستغلال الطاقة القتالية لقبائل صنهاجة الجنوب لتأسيس دولة تقوم بحركة إصلاحية مالكية. وكل هذه المؤشرات تبرهن علي أن حج يحيي بن إبراهيم ولقاءه بأبي عمران الفاسي لم يجر بمحض الصدفة، وإنما سار وفق خطة محكمة ومنسقة لإنشاء دولة سنيّة مالكية توحد الغرب الإسلامي.

3 -المعطي الثالث: مشاركة الفقيه المالكي وجّاج بن زلّو اللمطي في مشروع إقامة دولة سنيّة مالكية بالغرب الإسلامي:

ورد في الرواية التاريخية التي تناقلتها المصادر أن الفقيه المالكي أبا عمران الفاسي طلب - خلال لقائه بيحيي بن إبراهيم الجدالي بالقيروان كما سبق الذكر - من تلامذته اختيار أحد منهم لمرافقة هذا الأخير إلي الديار الصحراوية بأراضي صنهاجة لتعليم القبائل هناك شرائع الإسلام ونشر المذهب المالكي في تلك الربوع، غير أن هؤلاء تبرّموا من أمر شيخهم، واستوحشوا الصحراء لبعدها وقسوة مناخها وشظف عيشها1، مما جعل الشيخ يعدل عن رأيه، وينصح الزعيم الصنهاجي بالتوجه نحو أحد تلامذته بالمغرب الأقصي، وهو وجّاج ابن زلّو اللمطي الذي كان قد أسّس بالسوس رباطا أو مدرسة مالكية، ويطلب من اختيار أحد تلامذته لمرافقته للديار الصحراوية. ورغم إجماع المصادر حول هذه الرواية، فإننا نميل إلي الاعتقاد بتناقضها مع سياق المنطق، خاصة إذا علمنا المكانة التي كان يحتلها أبو عمران الفاسي لدي تلامذته، وما كانت تقابل به أوامره من طاعة ورضي. كما أن رفض الذهاب إلي الصحراء لتعليم القبائل هناك شرائع الإسلام ومبادئ المذهب المالكي لا يتلاءم مع ما

(1) كتاب المؤنس في أخبار إفريقية وتونس، لابن أبي دينار، ص 102.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت