الصفحة 238 من 378

وجد العرض الذي تقدم به أبو عمران الفاسي وقعا حسنا لدي الفقيه وجّاج بن زلّو اللمطي الذي انتدب لهذه المهمة أحد علماء المالكية الذي سيلعب الدور الحاسم في التمهيد لقيام الدولة المرابطية، وهو الفقيه عبد اللّه بن ياسين الجزولي.

وقد كان هذا الاختيار صائبا في نظرنا لأن نجاح مشروع إقامة دولة مالكية يستلزم وضعه تحت قيادة مسؤولة وقادرة علي إنجاحه. وكان عبد اللّه بن ياسين من هذه الطينة التي توفرت فيها مجموعة من المؤهلات، فهو التلميذ المخلص الذي يفيض حماسا لنصرة المذهب المالكي، ويعدّ حسب تعبير المؤرخ ابن الأحمر «من حذاق الطلبة ومن أهل الفضل والدين والورع» 1.كما أنه حصل علي علوم كثيرة، إذ درس في الأندلس مدة سبع سنوات علي يد أعلام المذهب المالكي هناك. و عند عودته للمغرب مرّ بمدن المغرب الأقصي، فلاحظ بدع برغواطة2، و انقسام القبائل المغربية نتيجة عدم وجود مذهب سنّي يوحّدها. وترامي إلي سمعه رباط شيخ المالكية وجّاج بن زلّو، فاندفع إليه ليصبح عضوا نشيطا فيه. ولا يراودنا الشك في أنه كان علي صلة وثيقة بشيخه وجّاج المذكور الذي أطلعه علي خطته القاضية بإنشاء دولة سنّية تعمل علي توحيد المغرب تحت راية المذهب المالكي.

وفور وصول عبد اللّه بن ياسين إلي ديار صنهاجة أخذ يبثّ تعاليم المذهب المالكي في أوساط قبيلة لمتونة، غير أن أعيان تلك القبيلة لم يستجيبوا لدعوته فطردوه، مما جعله يلجأ إلي بناء رباط في جزيرة منعزلة توجد بموقع لم تحدده النصوص بدقة، وإن كان الباحشون يرجّحون أن يكون في حوض نهر السنغال أو منحني نهر النيجر الحلي. والمهم في الأمر أن هذا الرباط أصبح مركزا للتكوين في المذهب المالكي. وقد التحق به الأنصار والأتباع لمدة

(1) الاستقصا في أخبار المغرب الأقصي، للناصري، ج 2، ص 7 - بيوتات فاس الكبري، لابن الأحمر، ص 28.

(2) وجدت هذه الإمارة في غرب المغرب الأقصي، وقد نشأت - حسب المصادر التاريخية الرسمية - نتيجة حركة بدعية قام بها أحد المتنبئين. انظر: روض القرطاس، لابن أبي زرع، ص 130 - 132.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت