طويلة لم تحددها المرويات التاريخية؛ ومن المحتمل أنها تراوحت بين (7 إلي 12) سنة1، كانت كافية لتكوين ما ينوف علي ثلاثة آلاف مرابط تكوينا لا يقتصر علي الجانب العسكري فحسب، بل كذلك علي التكوين المذهبي المتمثل في التشبّع بالمذهب المالكي. ويعبّر المؤرخ أبو الفدا عن هذا التكوين المذهبي بقوله وهو بصدد الحديث عن الرجال الموجودين في رباط عبد اللّه بن ياسين: «و تفقّه منهم جماعة علي عبد اللّه بن ياسين» 2، مما ينهض حجة علي دور العلماء في الإعداد لدولة سنّية مالكية بالمغرب والأندلس.
وبعد فترة من قتال المخالفين للدعوة الإصلاحية التي حملها عبد اللّه بن ياسين تحت لواء المذهب المالكي، وانتصاره علي القوي المعادية له في صحراء صنهاجة، بدأ العلماء المالكيون المستقرون بمدينة سجلماسة المغربية يوجهون له النداء للالتحاق بالمغربّ الأقصي بغية القضاء علي تسلط الحكام الزناتيين واضطهادهم للمذهب المالكي 3.و من المنطقي أن نعتبر مثل هذا النداء مجرد تذكير للفقيه المالكي عبد اللّه بن ياسين بالمشروع الذي تحاور حوله كل من أبي عمران الفاسي ويحيي بن إبراهيم الجدالي أثناء لقاء القيروان، والذي دار في مجمله حول ضرورة الإطاحة بالحكم الزناتي الجائر بالمغرب، وإقامة دولة سنّية مالكية.
ومن القرائن الأخري التي تؤكد دور عبد اللّه بن ياسين في تدعيم المذهب المالكي عن طريق تأسيس دولة تتبناه مذهبا رسميا، ما أجمعت عليه المصادر من أنه استشهد سنة (451 هـ) في معركة كان يقاتل فيها أعداء المذهب من البرغواطيين 4.
نستنتج مما سبق أن مجموعة من العلماء المالكيين المغاربة اضطلعوا بدور جوهري، يتجلي في تجنّدهم للقيام بحركة إصلاحية تصبو إلي تأسيس دولة بالغرب الإسلامي، تقوم علي أساس المذهب المالكي وتعمل علي حمايته ونشره، وقد نجحوا في هذا المشروع.
(1) المرابطون: تاريخهم السياسي، لعبد الهادي شعيرة، ص 46.
(2) كتاب المختصر في أخبار البشر، لأبي الفداء، ص 175.
(3) كتاب العبر، لابن خلدون، ص 243 - روض القرطاس، لابن أبي زرع، ص 127.
(4) المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، للبكري، ص 168 - ترتيب المدارك، للقاضي عياض، ج 8، ص 83.