وكنتيجة منطقية لتولي العلماء المالكيين منصب القضاء، يمكن القول: إنهم ساهموا في جعل التشريع القضائي بالمغرب والأندلس يسير وفق المذهب المالكي، ووجّهوا الدولة المرابطية نحو فرض الالتزام به نصّا وروحا، وهي الحقيقة التي نستشفها من خلال رسالة بعثها الأمير المرابطي تاشفين بن علي (537 - 539 هـ) إلي سكان بلنسية بعد استرجاعها من أيدي النصاري سنة (495 هـ) ، و قد ورد فيها ما يلي: «و اعلموا - رحمكم اللّه - أن مدار الفتيا، ومجري الأحكام، والشوري في الحضر والبدو، عن ما اتفق عليه السلف الصالح - رحمهم اللّه - من الاقتصار علي مذهب إمام دار الهجرة أبي عبد اللّه مالك بن أنس رضي اللّه عنه، فلا عدول لقاض ولا مفت عن مذهبه، ولا يأخذ في تحليل ولا تحريم إلا به، ومن حاد عن رأيه بفتواه، ومال إلي الأئمة إلي سواه، فقد ركب رأسه واتبع هواه» 1.
وبالمثل، استثمر علماء المغرب والأندلس فرصة توليهم مناصب القضاء لترسيخ المذهب المالكي وتدعيمه عن طريق إصدار الفتاوي ضد العلوم والمذاهب المخالفة له 2، و فرض كتب الفقه المالكي في المناهج الدراسية الملقنة بالمساجد والمدارس 3.
ومن إنصاف القول أنه رغم الجهود التي بذلها الفقهاء من أجل ترسيخ المذهب المالكي، فقد استمسر وجود بعض المذاهب الأخري علي الأقل كالمذهب الظاهري والشيعي، وهو ما تعكسه شهادة الفقيه أبي بكر بن العربي التي يقول فيها: «و كان أول بدعة لقيت في رحلتي كما قلت لكم القول بالباطن، فلما عدت وجدت القول بالظاهر قد ملئ به المغرب» 4، و هي شهادة تؤكد بالملموس وجود المذهبين الشيعي والظاهري، بيد أن
(1) نصوص سياسية عن فترة الانتقال من المرابطين إلي الموحدين، لحسين مؤنس، مجلة المعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد، سنة 1955، مج 1، ص 112 - 113، و الرسالة مؤرخة بالعشر الأولي من جمادي الأولي عام 538 هـ.
(2) انظر ما سبق ذكره من هذا البحث حول الفتاوي التي تتضمنها كتب النوازل الفقهية في الفترة مدار البحث والتي تدور مواضيعها حول المذاهب المخالفة للمذهب المالكي وحشرها في دائرة البدع والزندقة، ناهيك عن الكتب الفقهية الأخري التي ألفها الفقهاء المالكيون وهاجموا فيها المذاهب المخالفة.
(3) التعليم في المغرب الأقصي في عصر المرابطين والموحدين، لحسن علي حسن، حوليات كلية دار العلوم بالقاهرة، سنة 1972 - 1973، ص 75.
(4) العواصم من القواصم، لأبي بكر بن العربي، تحقيق عمار الطالبي، ج 1، ص 155.