الصفحة 255 من 378

بيئة مالك بن نبي وظروف عصره

لم يعرف الشعب الجزائري الركون والمهادنة منذ دخول الجيش الفرنسي محتلا لأرضه، فقد شهدت الفترة الممتدة من عام 1871 م - تاريخ القضاء علي ثورة الطريقة الرحمانية الكبري بقيادة المجاهد محمد المقراني والشيخ مصطفي الحداد - إلي عام 1919 م نوعين من أشكال المقاومة والممانعة، التي مارسها الشعب الجزائري ضد الوجود الاستعماري الفرنسي. فبالإضافة إلي الانتفاضات الكبري الشهيرة في: (واحة العمري عام 1876 م) ، و (الأوراس عام 1879 م) ، و (ثورة أولاد سيدي الشيخ بقيادة القطب الصوفي الشيخ محمد بوعمامة عام 1882 م) ، و (ثورة الأوراس عام 1916 م) ، و غيرها .. كان الشعب الجزائري منزويا ومنعزلا علي نفسه، مقاطعا للاستعمار ولكافة مؤسساته الاستذلالية، التي سعت لتشويه معالم شخصيته. وبمقاطعته الصامتة العميقة تلك، شكّل حاجزا نفسيا وروحيا لبناء جدار معنوي قوي ومتماسك، حفظ له آخر ما تبقي من حصون المقومات الدينية والوطنية للتصدي لمحاولات الاستعمار المستمرة للنيل منه 1.

وكان لهاته المقاطعة الثقافية والدينية الصلبة الأثر البالغ للحفاظ علي شخصيته وتماسكها وحفظها من الذوبان والمسخ والانصهار في مشاريع الاستكبار الفرنسية، الهادفة للنيل من دينه ومقوماته، والتي كان كتّاب الاستعمار الفرنسي يعبرون عنها - في أدبياتهم السياسية والفكرية - بالتعصب والانغلاق والجمود والتخلف لدي الجزائريين 2.

وقد نتج عن إخفاق الشعب الجزائري في المقاومة المسلحة التي دامت زمنا طويلا، وقوعه في حالة من الذهول والاسترخاء والفشل، مولدة لديه حالة من الركون والارتباك في نجاعة تلك الانتفاضات المسلحة التي قام بها، ولكنها لم تصل به إلي حالة اليأس والتراجع

(1) انظر: الحركة الوطنية الجزائرية 1900 - 1930 م، أبو القاسم سعد اللّه، ج 3، ص 71.

(2) لمزيد من الاطلاع راجع: قضايا ودراسات في تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر، جمال قنان، ص 127، و ص 134.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت