فالمنطق العلمي يعني أن يكون المجتمع فاعليا، فيستغل ما عنده من إمكانيات ووسائل وطاقات، وأن لا يدع ساعاته تمر فراغا، بل يحول تلك الساعات إلي ساعات عمل وإنتاج.
4 -التوجيه الفني أو الصناعة:
وعملية تحويل العلوم النظرية إلي مهن، وفنون، وصناعات عملية يدوية تقنية إلي حيزها العملي التطبيقي، واستغلال الطاقات والقدرات والمواهب والإمكانات في العمل الصناعي ركن مهم في تكوني مفهوم الثقافة عند مالك بن نبي، لأن الصناعة وسيلة لكسب الأفراد ووسيلة للمحافظة علي كيان المجتمع واستمراره ونموه 1.
ومن هنا نتبين أن مشكلة الحضارة. وإذا كانت شبكة العلاقات الاجتماعية سويه بين أفراد المجتمع، وإذا ما تكون للمجتمع عبر التاريخ قيم أخلاقية تحافظ علي تماسك وانسجام أفراده معا، فسيعيش متسقا ضمن جو محكم من النظام والجمال والذوق، بحيث تشكل لأفراده منطقا أدبيا وعمليا يتفاعلون من خلاله بفاعلية ما يملكونه من طاقات ومواهب وإمكانات فيبدعون أعلي وأقصي ما يمكن من الفوائد والوسائل المتاحة لهم، فيحولون كل هذه القيم النظرية والأخلاقية والجمالية الذوقية إلي صناعات ومهن وإنتاج سلعي، فإذا فعلوا ذلك أمكنهم حل مشكلة الثقافة، ومن ثم حل مشكلة الحضارة، ومن ثم التوقيع علي صفحات التاريخ وتأكيد الشهود الحضاري 2.
وبمثل هذا البناء المحكم يشكّل الأستاذ مالك بن نبي بدقة منظومته الثقافية عبر المكونات الأربعة لمفهوم الثقافة المكون من الخلق والذوق والعلم والصناعة.
القضية الثالثة: مشكلات الأفكار:
شغلت قضية الأفكار حيزا مهما من تفكير واهتمام الأستاذ مالك بن نبي - رحمه اللّه -، وقد بين بدقة وعمق فائدتها وأهميتها ووظيفتها وخطرها من الناحيتين النظرية والعملية،
(1) مشكلة الثقافة، مالك بن نبي، ص 88.
(2) مالك بن نبي مفكرا إصلاحيا، ص 132.